‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية البيت الخشبي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية البيت الخشبي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، ١٩ أكتوبر ٢٠٠٨

تابع(البيت الخشبي)

(21)
دخلت الجدة فاطمة على الشيخ صابر...كان يجلس مستندا إلى جذع نخلة في منتصف الخيمة... بانت على ملامحه تفاصيل العمر المديد شديدة العمق ...شديدة التأثير والتأثر بحزن وألم وأسى ملئ بياض عينيه وزحف على كل كيانه فبات كأنه قد ألم به الوهن والضعف
جلست بجواره ناظرة إليه وقد انتقل لها حزن عينيه وألمهما...قالت في صوت ضعيف حان:
- مالك يا شيخ صابر؟
صمت فترة ثم حلق ببصره نحو الأفق وتنهد تنهيدة حارة اعتصر لها قلبها
- لقد انتهى كل شيء يا فاطمة...كل العمر الذي كافحت فيه من أجل الحفاظ على إرث أجدادنا...لم يعد لشيء قيمة
- لا تفكر بهذا الشكل...لقد انتهى الأمر على خير...المهم هو ما سيأتي يا شيخ صابر فماحدث قد انتهى
- وماالذي سيأتي يا فاطمة؟
- مهرة وصخر وعالية...وغيرهم من شباب وبنات هذه القبيلة...هم القادمون ونحن الراحلون...
صمت الشيخ ومازال نظره معلق بالأفق ، امسكت الجدة بذراعه
- مهرة سترحل غدا وصخر سيرافقها حتى يطمأن على حياتها هناك ، وحتى..
صمتت مترددة...نظر لها : وحتى يزوجها من ذلك الفتى...اليس هذا ماتريدين قوله؟
- قال صخر أنه لن يوافق على هذه الزيجة حتى يطمأن أنها في مصلحة أخته ويطمأن للولد وأهله....هو يريد أن يتأكد أنها لن تحيا في المدينة بمفردها وستكون مع من يحميها ويرعاها....
أشاح الجد بوجهه وعلامات الأسى بادية عليه
- يا شيخ صابر لقد جاءت الفتاة تبحث عن أهلها بإرادتها...وكما علمت من صخر رفضت أن تجيب الشاب على طلبه بالزواج حتى يطلبها من أهلها ويوافقوا عليه...إنها ابنتنا الكريمة العزيزة ...إنا تنتمي لنا يا شيخ
نظر لها الشيخ بنفاذ صبر وقال بعصبية:
- ماذا تريدين أن تقولي يا فاطمة؟
ترددت قبل أن تجيب:
- هي تطمع في رضاك عنها قبل رحيلها...ومباركتك لزواجها...
نظر لها والغضب في كل قسماته
- ليست هي وحدها من تتمنى ذلك...أنا وصخر وعالية نتمنى ذلك يا شيخ....
أشاح بوجهه الغاضب وظل على صمته المحدق في الأفق وزادت قسماته حزنا وألما ...نظرت له وقد خالط نظراتها المتوسلة إصرار حازم
- لقد مضى وقت طويل منذ حادث عائشة يا شيخ....الا ترغب في تعويضها وتعويضنا عن الماضي
صاح بها
- كفى يا فاطمة...
حلق الصمت فوق رأسيهما فترة من الزمن...
حاربت ترددها في حسم:
- هل أخبرها أن تأتي؟
لم يرد...ظلت تنظر له فترة من الزمن ثم كأنها استوعبت بخبرتها معه أنها لن تحصل منه على رد مهما انتظرت ، وقفت والقت عليه نظرة أخيرة ثم خرجت في بطء حزين...
لا يدري الشيخ صابر كم مضى عليه في جلسته وحيدا فقد غاص في بحر من الذكريات ...كانت كلها تدور وتدور ثم تعود لتلك الملامح الرائقة الحزينة ...ملامح ابنته عائشة كما رءاها في آخر أيامها قبل أن تموت ، ثم بدأت تلك الملامح تختلط بصورة مهرة ووجهها الرقيق الجميل ، تلك العينان التي تحمل شجاعة وقوة وعزة وكرامة...تذكر كلمات أحمد عنها عندما جاء يطلبها ....إنها خليط من الصحراء والبحر....الأصل والمنشأ...هنا الجذور وهناك الحياة....هل يمكن أن يقلعها من جذورها...أم أن يمنعها عن الحياة...في كلتا الحالتين ستموت....ستموت كعائشة...سيفقد ابنته مرة أخرى...لا ، لايستطيع...لن يتحمل ذلك مرة أخرى، ولكن ماذا يستطيع أن يفعل...هو أيضا له كبرياء وعزة نفس تمنعه من إظهار الخضوع والتنازل عن كل مادافع عنه عمره وآمن به وكرس حياته من أجله...هل يمكن وهو قد أصبح في هذا العمر ، وهوالشيخ الجليل المهيب العزيز أن يرضخ ويزعن ويوافق على ما كان يحاربه ويرفضه طوال عمره....لا، هو أيضا لا يستطيع...لقد وقع في حيرة ...الن تلهمه الصحراء...الن يمنحه الله الحكمة ...أم هذه الحيرة الأن هي عقاب من السماء على كل الماضي...آآآآآآآآآآآه...
كان الظلام قد حل...أحس بشخص يجلس بجواره...أفاق من ذكرياته ونظر ...على ضوء النيران التي أضاءها الرجال في الساحة أبصر ملامحها...كانت تبتسم...
-جئت أودعك يا جدي...
لم يستطع أن يحول عينه عنها....أراد أن يحفظ لك الملامح التي فارقته أعواما قبل أن تغادر في الصباح ولا يدري كم سيطول به العمر ليراها من جديد...
حاولت أن تستخدم روح الفكاهه...زادت من ابتسامتها
- كنت أراهن الجميع أن أحدا منهم لن يستطيع أن يقنعك بتغيير رأيك وربحت منهم كل نقودهم...ولذلك جئت أشكرك لأنك لم تجعلني أخسر الرهان...
ظهرت الدهشة في عينه المتأملة ...خفضت رأسها
- ورغم ذلك كنت مستعدة أن أخسر كل نقودي ثمنا لذلك الإحساس الذي عشت عمري كله أبحث عنه ...احساس الأهل والأمان والحماية...
عصرت قلبه الكلمات...رفعت رأسها ونظرت له بعين حزينة ولكنها تبتسم
- لقد حاولت أن أتفهم ما فعلته مع أمي وأسامحك...على الأقل حافظت على حياتي ...أنا مدينة لك بذلك...
شعر بأنها لو تحدثت أكثر من ذلك فلن يتمكن من الحفاظ على شموخه أمامها...ستسقط دموعه ويظهر ضعفه وهو يأبى ذلك......أشاح بوجهه...وكأنها لمست ذلك الإحساس بقلبها...أو أن قلبها هي الأخرى يفكر بذات الطريقة...نظرت للساحة التي امتلئت بمقاعد الرجال حول النيران...
- سأغادر ليس لأني لا أريد الحياة معكم...ولكن هناك وعود قطعتها على نفسي ولن أستطيع خيانتها...ربما لولا هذه الوعود كنت فضلت الحياة معكم وعدم العودة....هل لو كنت في مكاني يا جدي وقطعت وعدا على نفسك هل كنت تخلفه؟
لم ينظر لها ولم يرد...ظل مشيحا بوجهه وبمشاعره المتصارعة بعيدا...نظرت لجانب وجهه
- لن ازعجك أكثر من هذا يا جدي...جئت فقط لأراك قبل أن أغادر ولأقول لك أني سأدعوا الله أن تحبني يوما وتضمني لصدرك وتبارك حياتي وزواجي...هذا كل ما أتمنى الآن وأرجو
انتظرت رده ولكنه لم يفعل...قامت في هدوء والدموع تنسال على وجهها في بطء...غادرت وتركته ينظر خلفها وقد ترك لدموعه العنان ...فليس هناك من يشهد ضعفه إلا نفسه...والله
----------------- كان فرحا كبيرا.....أقاموه على شاطيء البحر بقرب الصخرة التي أعتاد أحمد ومهرة أن يتقابلوا عندها...... قرر أمجد ونهاد أن يقيما فرحهما في ذات اليوم......كان الكل حاضرا...دادة خديجة وأهل نهاد وأمجد وشهيرة ودكتور جمال ..وصخر أيضا....اقترب صخر من مهرة وقبلها في جبينها: - مبروك يا مهرة.. - شكرا يا أخي.....كنت أتمنى أن يكون فرحك أنت وعالية في نفس اليوم.. - كل شيء بأوانه.... - لماذا لم تأتي معك؟ - لا يصح أن تأتي معي ولم نتزوج بعد...... - عندك حق.. صمتت وأطرقت قليلا ثم قالت: وجدي؟ ربت على كتفها: الوقت كفيل بكل شيء يا مهرة...اصبري....الجدة فاطمة تبلغك تهانيها ...قالت لي أنها تشعر بأنه قد تغير في أعماقه ولكنه يقاوم الإعتراف.. رفعت عينها فوقع بصرها على أحمد وأمه ووالده يقفون معا يضحكون ويبتسمون......همست: نعم الوقت كفيل بكل شيء ولكن لا ضير من المحاولات بين الوقت والآخر...... نظر أحمد نحوها ورآها تنظر نحوه فبعث لها قبله في الهواء...... ابتسمت وظهر الخجل عليها..... أقبل أمجد ونهاد : ماذا تفعلون.....هل نحن في ميتم لا قدر الله....اليس هذا فرح؟ ضحكت مهرة: ماذا تريدون؟ - نريد أن نرقص ونقفز ونضحك ونغني....أين زوجك المزعوم - مع أمه وأبيه - احترسي يا مهرة...يبدو أن صلح أحمد وأمه سيتحول ضدك.....ستكون لك حماة... فاجأتها شهيرة من خلفها وهي تبتسم : من ستكون حماة يا نهاد ؟ ارتبكت نهاد فضحكت شهيرة وهي تضم مهرة: إنها ابنتي الحبيبة...وأنا أمها.. أقبل المصور : ليجتمع الجميع العرسان والأهل والأصدقاء ..سنأخذ صورة جماعية على البحر تجمع الجميع......وانطلقت فلاشات الكاميرا تسجل اللحظة ------- قال المصور: سنأخذ صورة أخرى غيروا أماكنكم من فضلكم بدأ الجميع يتحرك في منتصف الساحة الواسعة وسط البيوت يتبادلون أماكنهم حول العريس والعروس...كان فرح صخر وعالية......وكان الجميع حاضرا.......وقفت مهرة وهي تحمل طفلتها بجوار جدها.....نظر الجد للطفلة الصغيرة: -- اسمها عائشة يا جدي.... ابتسمت الصغيرة للجد وداعبت لحيته ...ابتسم لها....سطع الفلاش يسجل اللحظة...... ---- من بعيد كانت تقف......لمحتها مهرة وعرفتها...تركت الطفلة مع الجد وذهبت لها.. - قمر؟...لقد مر وقت طويل.. - مبروك... مدت يدها بشيء ملفوف في قماشة.....أمسكته مهرة: - ما هذا؟ - إنه يخصك....لا تفتحيه حتى أمضي.... بعد أن غابت عن نظرها فتحت القماش فسطع لون أحمر براق...... شهقت مهرة وتساقطت الدموع من عينها.....اقترب منها أحمد: ماذا حدث؟ لم تنطق أشارت فقط للعقد والدموع تنهمر من عينها - كيف وجدتيه؟ نظرت مهرة للظلام الدامس الذي شمل الأفق المترامي أمامها.... ---------------- كان ينتظرها على مسافة قريبة..... - هل سلمتها الأمانة؟ - نعم....وأعطيت لأم حسان النقود - هيا بنا.... سار جعفر وقمر معا متجهيين نحو الواحة ....مرا على البيت الخشبي.....توقف جعفر ونظر للبيت ثم مضيا
------------------------ - قمر.....هذا غير مفهوم... قال صخر وهو يتأمل العقد الذي ما إن رأته الجدة فاطمة حتى إنهارت في البكاء...... - هناك ورقة في القماش قالت عالية وهي تمسك الورقة وتفتحها - الحق لابد أن يعود لصاحب الحق.... دهشت مهرة: مامعنى هذا؟
قال صخر:يبدو أن جعفر قرر أن يكفر عن ذنوبه وذنوب حسان...هذه ليست الحادثة الأولى لقد عوض الكثيرين من الذين أخذ حسان حقوقهم...ويعطي لأم حسان نقودا...
قالت عالية: هذا هو الغريب في الأمر فمن أين له بالنقود؟
- وما علاقته بقمر؟
نظر صخر لجده بخبث
- جدي يعرف ولكنه يرفض أن يقول نظرالجميع للجد الذي كان يحمل عائشة ويداعبها ولكنه تجاهل ما يقوله صخر وتجاهل نظراتهم
نهض الشيخ وهو يحمل الطفلة وسار بها نحو خيمته - اتركيها معي يا مهرة وخذيها في الصباح..خذ زوجتك وادخل بها يا صخر....تصبحون على خير.... تابعته العيون بدهشة وتبادل صخر وأحمد النظرات واحتضنت الجدة فاطمة مهرة التي ظلت تنظر للجد وهو يمضي مع عائشة وارتسمت نظرات صامته على وجهها ودموع متجمعة في الحدقتين..
سار صخر وعالية نحو بيتهما وعادت الدفوف تدق والزغاريد تنطلق....وأصوات الأعيرة النارية تملئ الفضاء.... ------------------------------- قضى ليلتهما في البيت الخشبي... نظرت مهرة عبر النافذة للقمر في صفحة السماء.....تخيلت وجه أبيها...ابتسمت له: تصبح على خير ياأبي... قبل أن تعود لفراشها تخيلت وجها وسط النجوم يرنو لها...فركت عينها.....لم تكن تتخيل...كانت ملامح رقيقة تنظر لها وتبتسم وقد غطت شعرها الكستنائي بشال من الصوف....همست مهرة: أمي....
تمت

بدأت في كتابة الرواية في२००३ وانتهيت منها في التاسع عشر من أكتوبر 2008

تابع(البيت الخشبي)

(20) قضى صخر اليل يفكر...في الصباح ذهب لجده وجلس معه طويلا... - ليس أمامنا إلا خياران يا جدي......إما أن نقول نحن الحقيقة للناس أوسيقولها حسان....أو أن نرضخ له ويظل يهددنا طوال عمرنا... ظل الجد صامتا يفكر - مارأيك يا جدي؟ - كان قدوم هذه الفتاة وبالا علينا - مانقترفه بأيدينا هو ما يسقط الوبال علينا ياجدي... - إذن أنا المسؤول؟. - الوقت يمر يا جدي....مهما كانت عواقب أن نقول للناس الحقيقة فهي أفضل من أن نضع أنفسنا تحت قبضة حسان مازال الجد مترددا.....نظر له صخر: الست مقتنعا بصواب ما فعلته قديما يا جدي؟ - بلى. - إذن فلم تخشى مواجهة الناس؟ نظر له جده نظرة طويلة وقد أدرك أن حفيده قد أوقع به بلعبة زكية لن يستطيع منها فكاكا...فإما أن يعلن على الناس الحقيقة ليثبت إيمانه بصواب ما فعله أو يتردد فيشعر حفيده بشكه في إقتناعه بما أقدم عليه قديما ...وفي كلتا الحالتين سيحقق حفيده الهدف الذي يطمح إليه......كيف تمكن هذا الولد أن يصبح هكذا في هذه السن الصغيرة......ولماذا يتعجب وهو من قام بتربيته وتنشأته... - ماذا قررت يا جدي؟ أسقط الشيخ رأسه على صدره وقال في آسى: - قد يطالب الناس بعزلي عن زعامة القبيلة لأني خبأت عنهم ما حدث طوال تلك الفترة ولم أنزل بأمك العقاب المفروض وهو القتل ...سيقولون أني خنت عهود أجدادي وتكتمت الأمر حتى لا يعرفون الحقيقة ..هل ترضى هذا لجدك - لن يفعلوا يا جدي...وحتى لو حدث فسيحدث بشرف بدلا من أن يحدث بخسة على يد حسان.. نظر له جده وقد أسقط الأمر في يده: حسنا.......حسنا يا ولدي...سأجمع الشيوخ وأخبرهم بهذا القرار وبعدها نجمع الناس ونخبرهم...سأفعل ما تريد...ولكني بعدها سأتنازل عن مكاني لك. -لا يا جدي - لن أنتظر حتى يقيلني الناس....ثم هذا أفضل....أنت الآن تستطيع ذلك ...
نظر الجد لصخر في عمق عينيه :..وحتى تتمكن من تنفيذ ما تريد بخصوص أختك دون أن تضطر أن تفعل ذلك في الخفاء ارتبك صخر ولكنه حافظ على هدوءه وثباته
- ماذا تقول يا جدي؟ - هل تظن أني لا أعرف ما تنوي فعله؟....ستتركها تذهب وستزوجها لذلك الشاب الذي جاء يطلب يدها مني...فلتفعل ذلك في العلن أمام كل الناس ولتواجه بنفسك الموقف لتعلم هل كان عندي حق قديما أم لا.. - الزمان يتغير يا جدي ...ماكان يرفضه الناس قديما قد يوافقون عليه اليوم.. - هذا يعني أن لا يصبح لقبيلتنا كيان.......إذا سمحت لأختك بالزواج من أجنبي ستفعل كل الفتيات مثلها...سيمتد الصراع بين الأهل والأبناء إلى الأبد.....سيفقد هذا المكان ما كان يتميز به من خصوصية ونقاء في السلالة وإحتفاظ بالأعراف والمواريث......تحمل أنت مسؤولية هذا كله....أريد أن أرى قبل أن أموت ماذا ستفعل وكيف ستتصرف في كل هذا. صمت صخر وقد فاجأه قرار جده بالتخلي له عن الزعامة وفاجأه كلامه....ولكن هذا لم يغير قناعاته فيما ينوي فعله.....
- جدي...إذا كان التغيير حتميا فليحدث الآن بإختيارنا قبل أن يحدث فيما بعد غصبا عنا...هذا ما أومن به - إذن فاذهب نفذ ما قلته لك...اجمع الناس والشيوخ وليكن ما يكون.... ------------------------- وقف الشيخ في الساحة الكبيرة وحوله باقي شيوخ القبيلة وبجواره صخر ومهرة .......تحدث إلى الناس وأخبرهم بكل الحقيقة وبدوافعه وقتها وكيف أنه كان يحاول الدفاع عن تقاليد القبيلة وشرفها ولكن في ذات الوقت لم يطاوعه قلبه أن يقتل ابنته وطفلتها فرتب الأمر كما رأى وكتمه عن الناس...وأنه اليوم بعد أن عادت حفيدته تبحث عن أهلها شعر أن ميعاد كشف الحقيقة ومصارحة الناس بها قد جاء...وهو يترك الأمر لهم ولحفيده صخر منذ هذه اللحظة وقرر أن يقضي ما تبقى من عمره شيخا كباقي الشيو خ يقدم خبرته ونصحه لهم ويترك لهم القرار.. استمع الناس له ....وبعد أن انهى كلامه ساد الصمت كأن على رؤوسهم الطير....... تحدث صخر: لا أريد أن يتنازل جدي لي ...ولكنه يصر لأنه يخشى أن تنادوا بعزله بعد أن سمعتم الحقيقة....ولكني أنا نفسي أخشى أن ترفضوني وتنادوا بأن يبقى جدي في مكانه زعيما وشيخا لنا فهو دائما كان خير قائد لقبيلتنا وما فعله مع أمي أراد به أن يتبع الأعراف التي تسقط حق الفطرة والدين والشرع الذي يقر الزواج الحلال متى توفرت شروطه ولكن تلك الأعراف لم تتمكن من فطرة الأب والجد بداخله فلم يتمكن من قتل أمي...من جهتي أرى أن ما فعلته أمي لم يكن خطيئة وأرى أن هناك بعضا من أعرافنا يجب أن تتغيير ...تلك الأعراف التي تتنافى مع الدين والشرع والفطرة التي فطر الله الناس عليها ....الأن أنا وجدي أمامكم...لكل منا طريقه وأسلوبه المختلف عن الآخر....ومن حققكم أن تقرروا...
سرت همهمات بين الناس .....قطعه صوت سيارة بوليس تقترب.. نظر الجميع تجاهها.....توقفت وهبط منها ضابطا اتجه نحو الشيوخ: من شيخ القبيلة؟ تبادل الجميع النظرات بين صخر وجده...تقدم صخر وأشار لجده: الشيخ صابر.... نظرله جده بدهشة: مازلت كذلك يا جدي حتى يقول الناس رأيهم اقترب الضابط من الجد: هل حسان عامر من أهل هذه القبيلة؟ - نعم..ولكنه مطرود منها؟ - لقد وُجد منتحرا في عشته هذا الصباح......كان بجواره هذه الرسالة. تقدم صخر من الضابط..: هل أنت متأكد من أنه انتحر يا سعادة الضابط. - لقد وجد مشنوقا ولم نجد أي آثار لعنف كما أن الرسالة التي تركها تدل على ذلك - هل من الممكن أن أقرأها. أعطاه الضابط الرسالة: لقد انهيت حياتي لأني لم استطع الحياة بذنوبي ...اعترف أني قد آذيت كثيرا من الناس وأعترف أني من دسست لزوج أمي الحشيش وكنت السبب في دخوله السجن.. ...لم أعد أحتمل..سأقتل نفسي لأرتاح...وسامحوني كلكم. - هل كانت له عداوات..ربما كان حادث الإنتحار مدبرا - كما قرأت يا سيدي لقد آذى الكثير ولكن العلم عند الله - من حسن حظ زوج أمه أنه مازال في السجن ...سيخرج اليوم...لولا ذلك لكان المشتبه الأول في قتله
تبادل الجميع النظرات الحائرة...
- نريد أن تأتي أمه للتعرف عليه ونريد أن يحضر شيخ القبيلة ليدلي بأقواله في المحضر - سنفعل .. مضى الضابط واقتربت مهرة من صخر: هل تصدق ذلك...انتحر؟ - بل قتل.. - صخر هل أنت.. - لا تكوني مجنونة لست أنا....ولكن هناك من فعلها وأراحنا منه للأبد... - والآن ماذا سنفعل - سأستأذن جدي أن تعودي وأنا معك للمدينة...سأستأذنه أن يوافق على زواجك من ذلك الفتى.. - هل سيوافق؟ - لا تقلقي.....سيفعل....سأقنعه. غمز لها بعينه وابتسم......ابتسمت له في صفاء...شعرت لأول مرة منذ وفاة والدها أن لها أهلا......كان صخر أهلها.....وجعل هذا دفقة ضخمة من الأمان تسري في عروقها وتشعرها بالراحة والإطمئنان...لقد أصبحت سعادتها كاملة....... لا ليس بعد.....فعقد أمها قد ضاع للأبد وذهب مع موت حسان...لن تعرف لمن باعه ولن تستطيع أن تسترده...طافت بخيالها ذكرى أبيها فهمست في أسى: سامحني يا أبي...

تابع(البيت الخشبي)

(19) كان حسان يتجول في الواحة بعد الظهر....وجده يسأل الناس عن القبيلة.....تقدم منه وهو يرمقه من أسفله لأعلاه بنظراته الخبيثة...... - هل تريد الذهاب لقبيلة جبران - نعم..... - أنا حسان...أحد أبناء القبيلة.... - تشرفنا.....اسمي أحمد...أحمد جمال الدين - هل أستطيع أن أعرف لماذا تريد الذهاب هناك - أبحث عن فتاة جاءت هنا منذ عدة أيام... - آه..تلك الصغيرة صاحبة الضفيرة.. - هل تعرفها؟ - طبعا....كانت تسكن في البيت الخشبي ثم تركته وتقيم الآن عند شيخ القبيلة.....هل أنت أخوها؟...أم أنك... - كيف أذهب إلى هناك؟ - سأوصلك وكله بثمنه.....هيا بنا.... ركب حسان السيارة مع أحمد...ظل يرمقه بنظراته ويعبث في ذقنه بأصابعه.....كان يشعر أن هناك شيء وراء تلك الحكاية قد يفيده....وكان حريصا على معرفة الحكاية ..سأله أحمد وقلقه يطل من عينيه: - هل أنت متأكد أنها هناك وأنها بخير - ولماذا لا تكون والكل مهتم بوجودها......حتى صخر .. - صخر؟ من هو؟ - حفيد شيخ القبيلة ، منذ أن جاءت وهو لا يفارقها..... نظر له أحمد والريبة والشك القلق يطل من عينه - هل هو من أقاربها إذن؟ - من؟ - صخر.....هل هو قريب لأمها؟ - ماذا؟......أمها؟..... همس حسان بهذا الكلام لنفسه مهمهما وهو يحاول أن يفهم. - نعم لقد جاءت تبحث عن أهل أمها...هل وجدتهم عندكم في القبيلة.... سرح حسان بعقله بعيدا وهو يفكر فيما سمعه......تذكر العقد الأحمر ...تذكر زيارة صخر له وتهديده .....وإهتمام الكل بمهرة ....ولكن كيف تكون من القبيلة هي وأمها...هناك حلقة مفقودة...أخرجه أحمد من تفكيره - هل عرفت أهلها؟ - لا تؤاخذني فهناك شيئا لا أفهمه.....المنطقي إذا كانت تنتمي للقبيلة أن تأتي بحثا عن أبوها لا عن أمها.....فليس من عاداتنا أن تتزوج النساء من خارج القبيلة ولكن الرجل يستطيع.... - هذا ما أعرفه.....أمها من القبيلة وتزوجت برجل من المدينة..ألم تقل أنك من القبيلة....كيف لا تعرف حكايتها؟.....أم؟.... صمت أحمد ونظر لحسان بخوف وقلق كبيران: أم هل حدث لمهرة شيء ؟ - لا لا تقلق هي بخير ولكني أعمل وأعيش خارج القبيلة ولذلك لا أعرف أكثر أخبارها....ولكنك متأكد مما تقول....أمها من القبيلة وتزوجت من المدينه؟ - نعم.... - شيء جميل.....ومن هي أمها؟ - لو كانت تعرف ما كانت جاءت هنا لتبحث؟ - آه.....عندك حق.....عندك حق.....هذا جميل.....شيء جميل. وصلا القبيلة ونزل حسان من السيارة وأشار لأحمد على مكان خيمة الشيخ صابر.. - أعذرني عندي عمل مهم يجب أن أنجزه... ترك أحمد وانطلق مسرعا نحو بيت أمه...... سار أحمد نحو خيمة الشيخ صابر ...دخل فوجد الشيخ يجلس بين مجموعة من شيوخ القبيلة... - أهلا بالغريب ...تفضل - شكرا يا شيخ - ماذا نستطيع أن نقدم لك؟ - لقد جئت أبحث عن ....عن خطيبتي....اسمها مهرة وقد جاءت هنا لتبحث عن.... قاطعه الشيخ صابر مسرعا والوجوم والغضب يشكل ملامح وجهه الصلب الجامد : - خطيبتك.؟ - نعم....أريد أن... نظر الشيخ صابر لمن حوله من الرجال: اتركونا بمفردنا يا شيوخ.... تناقل أحمد نظرات الإستفهام والتعجب ما بين الشيخ صابر وبين هؤلاء الشيوخ الذين خرجوا وهم يصبون عليه نظرات نارية حارقة..... - ماذا حدث لها يا شيخ؟.......أين هي؟...لقد جاءت تبحث عن أهلها ولا أستطيع الإتصال بها منذ الأمس.. - ولن تستطيع الإتصال بها في أي وقت آخر.....لقد حسمنا الأمر... - أي أمر ومن حسمه؟ - أهلها الذين جاءت تبحث عنهم ........لقد اتفقت مع المشايخ أنها ستبقى معنا لنرعاها ولن تعود للمدينة - ماذا تقول؟ بأي حق تقررون هذا؟ - بحق أننا أهلها.....هذه الفتاة حفيدتي...أنا ولي أمرها الآن......وحسب هذه الصفة فلا أعتقد أنك قد جئت تطلب يدها مني لتصف نفسك بأنك خطيبها تراجع أحمد عن عصبيته ولانت ملامحه وحاول أن يكون هادئا ولبقا: - عفوا يا شيخ....لم أكن أعلم صلتك الحقيقية بها.....إذن فقد نجحت مهرة في التوصل لما كانت تبحث عنه...لقد وجدتكم...وجدت أهلها... صمت الشيخ وهو ينظر لأحمد بجمود وصلابة....ابتسم أحمد ونظر للشيخ في ود: - لقد عرضت عليها الزواج من قبل ولكنها رفضت.....قالت أنها لا يمكن أن تأخذ هذه الخطوة قبل أن تجد أهلها وتعرفهم وأنني وقتها يجب أن أطلب يدها منهم..... نظر له الشيخ ونظرات متعجبة تسري في ملامحه الجامدة: هي قالت ذلك؟ - نعم.....إنها فتاة شجاعة وقوية.....لقد تحملت الحياة بعد وفاة والدها بمفردها بكل كرامة وعزة وكبرياء... لا أشك الآن أنها تنتمي لكم فلا بد أنها ورثت تلك الصفات عنكم.....هي أيضا رقيقة وحالمة في أوقات.....وربما كان ذلك بحكم طبيعة البحر الذي نشأت وتربت بجواره......كل هذه الصفات فيها جعلتني أرغب في الزواج بها.... نظر أحمد في عين الشيخ التي طافت بعيدا عن المكان والزمان... - سيدي ، اسمح لي أن أطلب منك يد حفيدتك....مهرة افاق الشيخ من سرحته : ماذا تقول؟ - أطلب منك ان تزوجني مهرة....حفيدتك.. نهض الشيخ في عصبية وصاح به: - ليس عندنا بنات للزواج.. نهض أحمد مندهشا متخبطا: ماذا تقول يا شيخ؟ - كما سمعت......نحن لا نزوج بناتنا للأغراب.... - ولكن..... - انتهى الكلام....خذ واجبك وارحل كما جئت ولا تعد....ولا تحاول الإتصال بها.....لا تؤذي نفسك يا فتى. خرج الشيخ من الخيمة وسار متجها لجمع الشيوخ المحلق حول النار يحتسون القهوة ويدخنون... نظر أحمد خلفه وكيانه كله يرتعش وعينه تجمعت فيها سحابات من الغضب والغيظ والحنق لا تجد لها متنفسا....يريد أن يراها.....هل توافق على هذا الكلام الغريب....إذن لماذا لا ترد عليه منذ الأمس....هل أجبروها على كل ذلك وهم الآن يحبسونها في أحد هذه البيوت وأخذوا منها هاتفها حتى لا تستعمله ، أم أن كل ذلك برضاها وقد قررت البقاء وقررت أن لا ترد عليه.....قررت أن تهجره من أجل الأهل الذين حلمت بهم دوما...أين الحقيقة......يجب أن يراها وأن يواجهها ليعرف....ولكن أين هي..... لمح حسان يسير مبتعدا خارج القبيلة....أسرع إلى سيارته وانطلق خلفه: - أين هي؟ - من؟ تفاقم الغضب بداخل أحمد فامسك بتلابيبه وشده إليه وعيناه تنطق بالشر: - مهرة ...أين هي؟ حاول حسان أن يبعد يده فلم يستطع وقدر أنه لن يستطيع التغلب عليه إذا حدثت مشاجره - حسنا اتركني وسأخبرك.. - بل تخبرني أولا - ساخبرك إذا جاوبتني على سؤال مهم......هل أخبرك الشيخ صابر أنها حفيدته من ابنته عائشة. - لا أعلم اسم أمها ولكنها حفيدته من ابنته....اين مهرة الآن؟ ابتسم حسان في خبث وقال: نركب السيارة وسأدلك على مكانها انطلقا نحو البيت الخشبي....أغنام عالية كانت ترعى حول المكان وفرسان يقفان في الخارج من بينهما فرس صخر الأشهب: في الداخل مع أخيها صخر والراعية - أخوها؟ - نعم....مادامت ابنة عائشة فصخر أخوها...هو ابن عائشة أيضا... - لست أفهم شيئا..... - ادخل وسيفهمونك.. - وأنت؟ - سأبقى هنا.... فتح باب البيت وخرج صخر وخلفه مهرة.: الم أقل لكم أني أسمع صوت سيارة..... - سيارة من؟ نظر الجميع تجاه بعضهم البعض وقبل أن يُسأل سؤال آخر كان أحمد قد جرى تجاه مهرة وأخذها بين ذراعيه...خرجت عالية تنظر فتسمرت في مكانها وأخذت تتبادل نظرات حائرة بين صخر وبين ذلك المشهد الذي جمع مهرة وأحمد في عناق طويل....وحسان يقف مبتعدا خلف السيارة ينظر في خبث ويداعب بأصابعه ذقنه.. نظر صخر لمهرة نظرات بها شيء من الصرامة الحازمة وشيء من العتاب فأفلتت مهرة من ذراع أحمد ووقفت وقد تورد وجهها خجلا وشملها إرتباك وحيرة..... تحدث أحمد وقد خرج إنفعاله كله دفعة واحدة ونظراته تحدج صخر بالغضب والشك : لماذا لا تردين على هاتفي منذ الأمس...وما هذا الجنان الذي يحدث هنا....قابلت ذلك الشيخ الغريب فقال أشياء لا أفهمها.....هل يحتجزونك هنا.... تحرك نحو صخر والشرر ينطلق من عينه: هل تحبسها في هذا البيت .....هل آذيتها....ماذا فعلت بها؟ حالت مهرة بينه وبين صخر: أحمد....هذا أخي... - أعلم.....ماذا فعل بك....ماذا فعلوا بك هؤلاء الناس؟ - لم يفعل بي أحد شيء يا أحمد.......أهدأ أنا بخير كما ترى..... - إذن لماذا لا تردين على الهاتف....لماذا لم تحضري الندوة بالأمس.......لقد انتظرتك طويلا ولكنك أخلفت وعدك.......هل قررتي البقاء وعدم العودة......هل تخليتي عني... صرخت فيه مهرة والحزن يطل من عينها: أنت لا تعرف شيئا......لقد حدثت أشياء ...أنا لم...... ولكنها لم تستطع أن تكمل.....غلبتها دموعها.....جرت مسرعة نحو الداخل وخلفها عالية..... حاول أحمد اللحاق بها ولكن صخر وقف أمامه: أعتقد أنك يجب أن تهدأ وتفهم الحقيقة أولا قبل أن تضطرني لضربك.. - ماذا تقول.....أنت تضربني؟.. - نعم.....هذا حقي فقد جرحت مشاعر أختي منذ لحظات وقد كانت تجمع أشياءها لتعود إليك..... - ماذا تقول .....ولكن الشيخ قال لي... - قل لي ماذا سمعت وسأخبرك بالحقيقة وبعدها أنت مدين لي ولأختي بالإعتذار وإلا.... - ماذا؟ ستضربني؟..... - لا ، فقط إذا جئت تطلب يدها مني لن أوافق..... نظر له أحمد والحيرة تتراقص في عينه وعلى صفحة وجهه ......ابتسم صخر في صفاء وهدوء وسار به نحو الداخل.....ومن خلفهم كان حسان يقبع في مكانه خلف السيارة وينتظر.... -------------------------- على شاطيء البحر تقابلا.... - كيف حالك يا شهيرة... - جمال؟!!.....بخير...وأنت؟ - بخير... صمتت...مشاعر تتزاحم بداخلها تجعلها تضطرب... - أشكرك.... - على ماذا؟ - سمحت لأحمد بزيارتي...ولم تمانع في وجودي هنا حتى يعود.. - أنت أمه... إبتسم وهو ينظر لها ..بعد تردد عزمت أمرها... - آسفة.. - على ماذا؟ - على كل ما سببته لك ولأحمد من آلام...تلك الرغبة بداخلي في ذلك الوقت أن أنجح...أنجح نجاحاً خاصاً بي وحدي وأن أحقق حلمي الخاص ...ولكن بعد مرور السنين تأكدت من شيء هام...حقيقة مهما حاولت الهرب منها لا أستطيع...كل ما حققته في تلك السنوات لا يعادل تلك اللحظات التي كان يمكن أن أحياها بجوار إبني...
-إذا كان هو ما تعتذرين عنه فأنا أيضا مدينا لك بالإعتذار
-لماذا؟
- لأنني توقفت عند حدود إهتماماتي وإحتياجاتي الخاصة ورؤيتي الذاتية في حياتنا معا...لم أقدر أنك أيضا لك إهتمامات وأنني كما كنت أحتاج منك أن تفهميني وتفهمي إحتياجاتي كان يجب أن أفعل ذات الشيء معك...
أما عن السنين التي فاتت دون أن تكوني بجوار ابنك فأنا مشارك بنصيب كبير في هذا الذنب...لقد خيرتك قديما ومنعني العناد والغضب بعدها سنوات طويلة أن أرجع عن قراري...سامحيني
- سأفعل إذا سامحتني
- لقد فعلت ذلك منذ زمن طويل.. نظرت في عينيه ...كانت هناك تلك النظرة الحانية الصافية التي حملت معها ذكرى أول لقاء جمعهما...يوم أن نظر لها نفس النظرة فأحبته وقررت أن تكون له...ولكنها لم تكن تعلم أن ثمن ذلك التخلي عن كل أحلامها ، عاشت في حيرة فترات طويلة ثم بدأت الحيرة تتحول لتعاسة ثم استسلمت ولكن عندما لاحت لها فرصة جديدة لتحقيق الأحلام أقتنصتها وقررت أن لا تفرط فيها مهما كان الثمن...وكان الثمن باهظا...دفعته وعاشت من جديد في حيرة وتعاسة ولكنها لم تستسلم هذه المرة...كانت تحاول باستمرار أن تتواصل مع ابنها ولكنها لم تجد إلا الصد والرفض حتى جاء اليوم الذي تحقق فيه دعاءها وعاد لها من جديد ولكن بعد أن طحنها الزمن والحزن والألم...
وكأنه يقرأ ما يدور في أفكارها ومشاعرها
- مازالت الفرصة أمامك لتعوضي ما فات...لقد عاد أحمد لك .. - نعم... صمتا...نظرت للبحر ...كانت تبحث عن الكلمات...تبحث عن الشجاعة..مد يده ولمس كتفها...نظرت إليه... - ربما تمكنا من أن نظل أصدقاء ....هذا سيساعد إبننا كثيراً وسيسعده أيضاً .... لمعت عيناها...لقد كانت تبحث عن الكلمات وساعدها ------------------------ جلس أحمد بجوار مهرة : آسف يا مهرة.....لقد أصابتني كلمات الشيخ بالفزع...تخيلت أني لن أراك بعد اليوم وخشيت أن يكون قد حدث لك مكروه...... نظرت له مهرة مبتسمة في حنان : اتخيل كيف كان لقاؤك به ولهذا اعذرك....فقد استفزني أنا أيضا ...ولكنه رغم كل شيء جدي ولن أتمكن من كرهه... نظر لها صخر في حنان : تصورت أنك تكرهينه فعلا يا مهرة - ماذا سيفيدني كرهي له....رغم كل ما سببه لي ولأمي وأبي من تعاسة فهو قد فعل كل ذلك وهو يتصور أنه يفعل الصواب......أنا متأكدة أنه لو كان عنده شك في صحة ما فعل ما كان ليفعله...إختلافاتنا كبشر سببها أن كل منا له زاوية ينظر منها تختلف عن زواية الآخر ...هو ينظر بزواية العادات والتقاليد ....ونحن ننظر من زاوية الإنسانية الواحدة والمشاعر والحب الحقيقي...هو يرى ما نفعله خطيئة ونحن نرى ما يفعله خطأ...ولن نتمكن من التفاهم إلا إذا حاول كل منا النظر من زاوية الآخر ليرى الحقيقة من وجهة نظره... نظر أحمد لصخر: صخر فعل ذلك....نظر من زاويتنا وفهم موقفنا.. ضحكت مهرة: هو ينظر منها فعلا ولكن لأنها زاويته الخاصة .......صخر مثلنا يرى أن المشاعر والحب والإنسانية لهما كل الأولية على تقاليد مجحفة وظلمة تفرق ولا تجمع وتقسي القلوب وتقتل الحياة حولت مهرة نظرها تجاه عالية التي كانت تتأمل صخر بعينيها المكحلة من خلف النقاب ... نهض أحمد وتحرك نحو صخر ومد له يده: هل تقبل إعتذاري .. صافحه صخر....أكمل أحمد ومازالت يده في يد صخر: وهل تقبل أن تزوجني أختك؟ تورد وجه مهرة وخفضت رأسها واقتربت منها عالية تحتضنها وتنظر لصخر متطلعة ماذا سيقول: - إذا وعدتني أن تحافظ عليها وترعاها وأن تجعلها سعيدة....وإذا وعدتني أن لا تتسبب في بكاءها بعد اليوم.... - أعدك ... - وأهلك؟ - أبي وأمي في المدينة ينتظران عودتنا...إذا أردتهم أن يحضروا ... - سآتي لزيارة مهرة قريبا وأرجو أن أراهم لنتكلم في هذا الموضوع معا جميعا... نظر صخر لمهرة في حنان: سآتي لأتأكد أن مهرة ستعيش بينكم في رعاية وسعادة وإذا إطمئننت لذلك سأضع يدي في يدك ونقرأ الفاتحة رفعت مهرة وجهها ونظرت لأخيها في سعادة حقيقية ...تقدمت منه والقت نفسها على صدره وسالت دموعها - لماذا البكاء الآن؟ - لأني وجدتهم أخيرا....وجدت أهلي...أنت أهلي يا صخر...... - مشهد مؤثر....هل أبكي أنا أيضا؟ نظر الجميع تجاه الصوت......كان حسان يقف عند مدخل البيت تقدم نحوه صخر.. - ماذا تفعل هنا؟ - جئت أحتفل معكم بهذه المناسبات السعيدة....عودة أختك وخطوبتها لأبن المدينة.....ولكن أليس ذلك ضد تقاليد القبيلة الصارمة التي لا تغفر يا صخر أم نسيت. - أخرج من هنا يا حسان لا مكان لك هنا ولا دخل لك فيما بيننا - بل لي دخل...أليست تلك التقاليد هي التي جعلتكم تجتمعون وتقررون التبرأ مني وطردي خارج القبيلة ....هل تغيرت أم هي تطبق على وحدي دونكم.. - لا تخلط الأمور يا حسان ولا تشبه الأفعال التي تقوم بها بما يحدث هنا - أعتقد أن الشيخ صابر وباقي شيوخ القبيلة سيكون لهم رأي آخر... نظر له الجميع وتبادلوا النظرات المستفهمه فيما بينهم:أعتقد أن الشيخ صابر إذا عرف بما تدبر معهم يا صخر فإنه لن يتردد عن طردك أنت أيضا خارج القبيلة....ولو لم يفعل لأشعلتها أنا نارا عليكم واتهمتكم أنكم تكيلون بمكيالين وسأحرض كل شباب القبيلة عليكم......ليس هذا فقط بل سأخبر الجميع بالحقيقة.. قال له صخر في غضب مكتوم:أي حقيقة؟ - حقيقة أمك يا.....يا فارس القبيلة المغوار..... لكمه صخر في وجهه فسقط أرضا: إياك أن تنطق بشيء عن أمي يا نجس فهي أشرف من أن يمس اسمها لسان كلب مثلك نهض حسان وهو يمسح خيط الدم عن وجهه: ستدفع الثمن يا صخر....جاء الوقت لتدفع ثمن كل ما فعلته أنت وجدك بي ...سأفضح أمركم وأخبر جدك بما تنوي أن تفعله وسأخبر أهل القبيلة بحقيقة ما حدث قديما وإلا تتراجعون عن قراركم بشأني وليس هذا فقط بل تزوجوني منكم.......ولقد إخترت عروستي منذ زمن طويل.. نظر نحو عالية التي ظهر الرعب في عينها: عالية هي من أريد.. لكمه صخر من جديد : يا حقير كيف تجرؤ؟ - الحساب يزيد بهذه اللكمة يا صخر..كنت أنوي أن أعطيك يومين لتفكر في عرضي ولكن الآن أريد الرد غدا صباحا وإلا........ نظر لهم جميعا بسخرية وبصق على الأرض وذهب مسرعا ..... هم صخر باللحاق به فامسكه أحمد: لم أكن أعلم أنه خسيس هذا الحسان...ماذا سنفعل به؟ - ساتصرف.. هيا الآن خذ مهرة واذهب واترك الأمر لي.. - ولكن يا أخي أنا سبب كل هذه المشكلة...لو لم أحضر ماكانت الأمور تأزمت بهذا الشكل...كيف أذهب الآن وأتركك.. - وجودك لن يفعل شيئا - بل سيفعل...سأواجه الجميع وأخبرهم الحقيقة حتى يصدقوا أن أمي لم تخطأ....وعندها لن يكون عند حسان شيء يفعله - الأمر ليس بهذه السهولة يا مهرة.... - لن أعود...سأنتظر حتى أرى ما سيحدث...ربما بقائي هنا يساعد بأي شكل...على الأقل لن يصدق جدي حسان حينما يقول له أنك أتفقت معي على الهرب..وسنكون جميعا يد واحدة في مواجهته. - ولكن....... - لقد اتخذت قراري ولن أتراجع....لن أعود الآن. نظر صخر لأحمد الواقف خلفها.......نبهتها نظراته......التفتت له:أحمد أريد أن أتحدث معك في الخارج. خرجا.....رفعت عالية النقاب ونظرت لصخر في صمت والألم في عينها ..نظر لها صامتا هو أيضا وقد اختفى الصفاء من عينيه وحل محله القلق ... في الخارج وقفت مهرة وأحمد أمام السيارة: لن أتمكن من العودة الآن حتى ينتهي الأمر - وإذا استبقاك جدك عنوة؟ - لن يفعل ...وصخر هنا سيساعدني.. - سأبقى حتى نعود معا. - لا، وجودك لن يفيد بل قد يعقد الأمور....اذهب وسألحق بك - فراق آخر يا مهرة..؟ - لا تكن متشائما....... - لم أعد أستطيع تحمل هذا البعد احتضنته: سأعود...وسنتزوج وسننجب أطفالا ونحكي لهم هذه القصة ....سنحكيها لهم ونحن نضحك من هذه الأيام وما حدث فيها ضمها بقوة لصدره : أحبك.. ابتعدت عنه وداعبت وجهه بأناملها: وأنا أيضا... ودعته وانطلقت السيارة عائدة....ظلت تلوح حتى غاب عن ناظرها.... خرج صخر وعالية: هل ستعودين معنا أم ستمكثين هنا - بل سأعود.... في الطريق اقتربت من صخر: هناك ثأر لي عند هذا الحسان.....يجب أن أعيد عقد أمي .. نظر لها في صمت وساروا جميعا نحو القبيلة

تابع(البيت الخشبي)

(18) أفاقت ....لمحته بجوارها.همست: أحمد؟.. أمسك يدها....بدأت الصورة تتشكل بوضوح أكثر.....رفعت رأسها: أين أنا؟ نظرت له: صخر...... ابتسم لها : حمدلله على سلامتك...... - أين أنا؟ - في بيتك.. - بيتي؟ - نعم...القبيلة.....هنا بيتك....وسط أهلك.... نظرت له في مرارة: ظننت أني في منزل والدي بالمدينة.... ابتسم في حنان....دخلت عالية بطعام الإفطار..... - لقد استيقظتي أخيرا.....لقد سهر صخر بجوارك طوال اليل... نظرت لصخر....لم تتعود بعد على فكرة أنه أخوها.....تشعر بغرابة الموقف.....تشعر بغربة ... نهض صخر: سأتركك لتتناولي إفطارك ...وسأنتظرك بالخارج..... لمحت في عينيه أشياء.....نظرت له متسائلة: - سنجرب معا أول حوار أخوي بين أخت وأخيها...... -------------------- وجدته جالسا كما أخبرتها عالية عند البئر المهجورة .... - ماذا قال لك جدك؟ ابتسم...أكملت: أعلم أنه لا يريدني هنا.....هل هذا هو ما تريد أن تحدثني بشأنه؟ - من هو أحمد؟ - من؟ - لقد ناديتني باسمه اليوم عندما استيقظتي....هل هو صاحب الصورة التي رأيتها في البيت الخشبي - نعم؟ إنه شاب تعرفت عليه في مدينتي .... - هل هناك شيء بينكما - تقصد كما كان بين أمي وأبي؟ - هل هو كذلك؟ - نعم...إنه يحبني وأنا أيضا أحبه وعندما حضرت إلى هنا كنت أبحث عن أهل يضعون يدهم في يده عندما يتقدم لطلب الزواج مني ويقفون بجواري في يوم زفافي .... - هل هذا هو السبب الوحيد الذي كنتي تبحثين عنا من أجله؟ -لا....قبل أن أتعرف عليه كنت أحتاج للشعور بالآمان....كنت أحتاج أهلا أثق فيهم وأعتمد عليهم....حاولت كثيرا أن أصل لكم ولكني لم أتمكن من ذلك حتى دخل أحمد حياتي وساعدني.....لولاه ماكنت هنا الآن.. - لو اضطررت للإختيار الآن بين الأهل وبين أحمد....من ستختاري يا مهرة؟ نظرت مهرة بعمق في عينيه....ابتسمت في سخرية: هل أنا مضطرة للإختيار؟ - أفترضي ذلك.. - لن أفترض....أخبرني...هل أنا مضطرة.... - جدي وضع شروطا.. - أرفض شروطه...... - هل تريدين أن تسمعيها أولا.. - لا تهمني....لقد عقدت عزمي....سوف أعود....سأعود لبيتي... - لا أفهمك يا مهرة......هل جئت كل تلك المسافة لتبحثي عن أهلك ثم تتركيهم بعد أن تعرفتي عليهم....الم تعودي في حاجة للإحساس بالأمان ...الم تعودي في حاجة لأهلك...أم أنها كانت مجرد مغامرة ليس إلا.. - لن تفهمني لأنك لا تعرفني.....وهذا هو سبب قراري....أنتم لا تعرفوني....لقد نسيتموني بإرادتكم منذ زمن طويل..وأنا جئت أبحث عنكم ولكني لم أجدكم......أنا أشعر بالغربة هنا....لقد صدمت في كل شيء....لا أمان هنا.....فقط قهر وظلم واستبداد....لن أرضخ لهذا....أمي رضخت له ولكني لن أفعل......سأعيش حياتي كما أريد أنا ليس كما تفرضونها على بشروطكم.....تريدون أن تبيعوا لي الآمان والأهل بحريتي وحياتي كلها.....لا أريد أن أشتري منكم وليس عندي رغبة أن أدفع لكم هذا الثمن الباهظ....لا تستحقوه..... - ليس لي ذنب فيما حدث قديما لتحاسبيني يا مهرة.. - ربما ولكنك لن تستطيع إلا أن تفكر في أن تعيد القصة من جديد......الست مثلهم تريد تطبيق قانونكم المستبد.. - أنا لا أفكرفي شيء......أنا أريد مصلحتك وسعادتك - إذا كان هذا حقيقي أتركني أرحل .... - جدي لن يعترف بك إذا ذهبت. - هل ستعترف أنت بي إذا ذهبت؟ - أنا معترف بك يا مهرة ....لا أستطيع أن أنكرك...... - نعم، ستعترف بي بيني وبينك فقط.....لن تعلنها على الملأ إذا رحلت حتى لا تغضب جدك - الأمور هنا معقدة يا مهرة..... - سأبسطها لك......لن أطالبك بالأعتراف أمام عالمك....فعالمك لا أريده......أعترف بذلك في عالمي....ضع يدك في يد من أخترته للزواج وارفع رأسي......وأعدك أني لن أعود ولكن إذا أردت رؤيتي فبيتي سيكون مفتوحا لك دوما.... - هل هذا قرارك الأخير.. - نعم.... - حسنا يا مهرة....حسنا.....

السبت، ١٨ أكتوبر ٢٠٠٨

تابع(البيت الخشبي)

(17)
الشيخ يجلس وحيداً ملامحه تحمل هماً وحزناً وألماً ...تدخل الجدة فاطمة وخلفها صخر ...الجدة تنظر نحوه في إشفاق ........صخر ينظر نحوه في غضب مكتوم .... يشعر بوجودهما فتعود ملامحه لصرامتها وقسوتها تهمهم الجدة في حزن: الفتاة مريضة جدا...أصابتها الحمى...وتهزي لم يعلق الجد بشيء...جلس صخر أمامه : لماذا يا جدي؟ نظر له الجد : سألني أبوك نفس السؤال يومها...كان مثلك لم يفهم...ماحدث كان يجب أن يحدث..يجب أن تفهم ذلك - لماذا كان يجب أن يحدث يا جدي؟ - لا أصدقك يا صخر...لقد ربيتك لتكون مكاني في يوم من الأيام ثم تأتي لتسألني هذا السؤال اليوم..ألا تفهم أن هذه أعرافنا...الفتاة لا تتزوج من خارج القبيلة وإلا تتبرأ منها القبيلة ويهدر دمها...ورغم ذلك فقد غفرت لها ما فعلت وأنقذتها من النفي خارج القبيلة ومن القتل على يد رجالها...بل أنقذت حياة إبنتها وتركتها لأبوها... ضحك صخر في عصبية: غفرت لها وأنقذتها يا جدي؟...هل هذا ما تقنع نفسك به؟ ... نظر له جده في غضب هادر: لا تتعدى حدودك يا فتى..مازلت أنا شيخك وشيخ القبيلة ومازلت أنت فتى أغر لا تفهم .. - بل أفهم جيدا يا جدي...ولذلك لن أكرر الأخطاء...لقد قررت أن أعترف أمام الجميع بأختي ولن أتخلى عنها أبدا.. - ماذا تقول...هل جننت... - لن أرمي لحمي يا جدي....كيف أحيا وأنا أعلم أن لي أخت وحيدة في هذه الحياة ليس لها غيري ..كيف أحيا إذا خذلتها وتخليت عنها...لقد علمتني كيف أكون فارسا رجلا يا جدي...ولن أكون الآن غير ذلك.. - أنت تعصاني يا صخر وهذا سيكلفك الكثير.. - هل ستهدر دمي أنا الآخر يا جدي.. صمت الجد وهو ينظر له نظرات نارية .. - يا جدي ..الناس تأتي لك لتحكمك في أمورها بالعدل.....كيف تحكم لهم به وتحكم على أقرب الناس لك ظلما. صمت الجد ونظر للأرض......طال صمته وتفكيره وتبادل صخر وجدته النظرات القلقة...أخيرا رفع الجد رأسه ونظر لهما بحزم وقوة: سأعترف بها على شرطين.. تنفس صخر الصعداء ....ولكن الجدة كانت حذرة..قالت في قلق: أي شرطين يا شيخ؟ - أولهما أن تبقى هنا ولا تعود لتلك المدينة التي كانت تعيش بها......تقطع كل صلتها بذلك المكان ..إذا كانت تريد أهلا فيجب أن تبقى معهم وتسير وفقا لعاداتهم وأصولهم ...والأصول تقضي بأن لا تحيا الفتاة بمفردها في بلد بعيد عن أهلها...والشرط الثاني أن تتزوج من القبيلة . تبادل صخر وجدته النظرات وتقدم صخر من جده- ولكن يا جدي ، لقد عاشت عمرها كله تحيا حياة تختلف عنا ومازالت تدرس في الجامعة....وليس من أبناء القبيلة من أكمل دراسته مثلها ....ربما يكون هناك من أهل المدينة من يناسبها فنزوجها له و...... - ماذا تقول؟ ...لا أصدق أذني...من أين جئت بهذه الأفكار...الم تقضي عمرك كله في هذا المكان وتفهم كيف تسير الأمور فيه ، هل نسيت عاداتنا ومواريثنا التي حافظنا عليها طوال الأجيال ...تأتي اليوم وأنت حفيد شيخ القبيلة وزعيمها القادم وتتفوه بهذه الترهات ...لقد خاب أملي فيك
- يا جدي يجب أن نتعامل مع الأمر بشيء من المرونة....فما تطلبه ليس من السهل تحقيقه
-لقد أصدرت حكمي يا فتى ولا جدال فيه ، هذه هي شروطي...أقبلوها أو تخرج من هنا ولا تعود وتنسى أن لها أهلا في هذا المكان
- هل تعتقد يا جدي أن ما تمردت عليه أمي قديما ورفضته - وهي قد عاشت عمرها كله على تقاليدنا وموروثاتنا - من الممكن أن تخضع له اليوم ابنتها التي عاشت طوال حياتها بعيدة عنا ...سوف نخسرها بهذا الشكل يا جدي ، يكفي صدمتها بعد أن سمعت ما فعلته بأمها وأبيها..
- ومن قال لك أنه يهمني أن تبقى أو ترحل......ما يهمني فقط هو أن تظل عاداتنا وأعرافنا وموروثاتنا مصانة لا تمس ولا تهان....هيبتك وشرفك كزعيم تأتي من إحترامك لقوانين قومك وتطبيقها حتى لو كانت على حساب أقرب الناس إليك...هل تفهم؟
-للأسف يا جدي لا أفهم....لا أفهم لأن الصحراء علمتني قوانين لله في أرضه وهي تختلف عن ما تقول.....لقد علمتني أن لا شيء ثابت، كل شيء متغير ولا يبقى شيء على حاله طوال الوقت...الصحراء تقلب وجهها بين الفصول بل تقلب وجهها في اليوم الواحد مئات المرات...هل شكل الكثبان الرملية من حولنا هي نفسها التي كانت بالأمس؟ ، وهل ستظل كما هي حتى الغد؟...النجوم يا جدي في السماء تتغير ..لا أفهمك يا جدي لأني تعلمت من الوافدون علينا من كل بقاع العالم ....علموني أن الشيء الواحد من الممكن أن نراه آلاف الأشياء كلما اختلفت عدسة العين التي تنظر والروح التي تشعر وتدرك والعقل الذي يترجم كل ذلك لمعاني وأفكار محسوسة وملموسة...
نعم نحن نعيش هنا يا جدي...ولكن في الخارج، من حولنا يعيش عالم كامل إذا أردنا أن نحافظ على بقاءنا فيجب أن نفهم ذلك العالم ونكون قادرين على التعامل معه وليست الطريقة الصحيحة للبقاء هي رفضه ونبذه وإقامة مزيد من الأسوار حولنا...سوف نختنق داخلها يا جدي ولن نستطيع الحياة ....أعطي للناس فرصة يا جدي ليتعرفوا على الحقيقة ويقيمونها ويختارون لأنفسهم ما يناسبهم...أرجوك
نظر له جده والغضب يتقاذف من عينه........أعطاه ظهره وصمت دون رد
- جدي.......
رفع الجد يده ودون أن يلتفت له قال: انتهى الكلام يا صخر...سأجتمع مع شيوخ القبيلة وأخبرهم بما قررت ليصبح موضع التنفيذ ...وعليك أن تخبرها لتختار...إما نحن أو حياتها الأخرى بعيدا عنا.. أطرق صخر قليلا ثم رفع رأسه ونظر لجده مليا.....التفت له جده وبادله النظرات الحازمة المتحدية..... ------------------------------- وقف أحمد عند مدخل القاعة ينظر للخارج في قلق وينظر في ساعته في توتر....أقترب منه أمجد ونهاد: - لم تأتي بعد.. - لا تقلق يا أحمد لا بد أنها في الطريق - أشعر أن هناك شيء قد حدث...إنها لا ترد على الهاتف... أقتربت أمه...: أحمد..هيا بنا ستبدأ الندوة بعد دقائق.... - مهرة لم تحضر بعد... - لقد وعدتك وستأتي....هيا الآن الكل ينتظرك.. نظر له أمجد مطمأنا: أذهب أنت يا أحمد ....سنحاول الإتصال بها مجددا.... (ذرات الرمال في عالمي شاطئا...ذرات الرمال في عالمك صحراء.....شاطئي يجف عنه الماء فيتحول صحراءك ، وصحراؤك يغذوها الفيضان فتتحول شاطئي...هل الذرات تهاجر ...هل لها نفس التكوين والذات...هل إذا وضعنا ذرات الشاطئ بجوار ذرات الصحراء يمتزجوا فلا نستطيع أن نفرق أيهما عن الآخر...هل عندما أمتزجنا، عقلا وقلبا وروحا وجسدا ، هل يمكن أن يفرقوا بين ملامحنا.....هل سيتعرفون بعد هذا الميلاد الجديد علينا...هل سيعلمون من أنا ومن أنت أم سيختلط عليهم الأمر .....أخشى أن يتعرفوا علينا.... سينفطر قلبي إن حدث.....سأعلم حينها أن كل شيء لم يكن إلا مجرد....حلما....) أحمد يقرأ مقطعا من روايته وكل خلية منه تشعر بخوف مبهم لا يعرف سببا له......إحساس بالبرودة يسري في أطرافه وحبات من العرق يتفصد لها جبينه....فلبه ينتفض في عنف.... --------------------------------- عالية تمسح العرق عن جبين مهرة......صخر يجلس بجوارها يتطلع لوجه مهرة... - الشيخ عامر قال أن التركيبة التي أعطاها لها سيظهر تأثيرها بعد ساعة..... لم يرد عليها صخر.....ظل صامتا ينظر لأخته النائمة.. - لا أصدق ما حدث .....كأنه حلم..... تأملت صمت صخر....نظرت له بإشفاق: ماذا قال الشيخ صابر....هل ستبقى معنا؟ لم يرد صخر.....قام واقفا وغادر....ركب فرسه الأشهب وانطلق به مبتعدا نحو الصحراء .... ------------------- كان يجلس في ركن مظلم بعيداً عن باقي الرجال يدخن سيجارة ملفوفة والدخان يحوم حول عينه الحمراء ووجهه الذي يملؤه التجاعيد والندوب ...... أحد المساجين ينادي عليه : مالك يا أبو "جعفر"..... ولكن "جعفر" صامت لا يجيب.....يهمس الرفقاء فيما بينهم: - اليوم هو ميعاد زيارة زوجته.... - الزيارة الأخيرة .....بعد غد سيصبح حراً .... - ينتوي الشر ......لن يترك من وشى به..... - من تقصد؟ - لم يقل شيئاً منذ حكم عليه ولكنه ينتوي الثأر.......هو قال ذلك... كان ينظر لظهورهم ويتصنت لحديثهم دون رد......عيناه تلمع في الظلام والدخان المتجمع يزداد كثافة ..... صوت الباب المعدني يفتح ويصيح الصوت الجهوري منادياً عليه: عندك زيارة.....المدام..... قام واقفاً وألقى السيجارة تحت قدمه ، وخرج مع الحارس........ ---------------------- أحتضنته أمه بقوة بعد إنتهاء الندوة والدموع تلمع في عينها....ربت والده على كتفه مهنئا وشد أمجد على يده وملئت نهاد الجو بضحكاتها ....لم يكن أحمد بينهم......كان منطلقا بعقله وقلبه خلف مهرة.... - سأسافر الآن... لم ينتظر أن يسمع رأي أحد.....خرج مسرعا ....

تابع(البيت الخشبي)

(16) دخلت الجدة فاطمة على الجد..... - هل ذهبت الفتاة؟ - لا لم تذهب بعد....ولا أريدها أن تذهب يا شيخ صابر - ماذا تقولين؟ - مكانها هنا معنا....أنت تعرف ذلك كما أعرفه...يجب أن نخبرها بالحقيقة....لقد جاءت تبحث عن الحقيقة وليست هي وحدها من تتسائل....لقد بدأ صخر أيضا يسأل وأنت تعرفه لن يرتاح حتى يعرف...وسيعرف...إن آجلا أو عاجلا سيعرف يا شيخ صابر... نظر لها الشيخ بصرامه وغضب هادر:
-تريدين أن نقول الحقيقة يا فاطمة....تريدين هدم كل شيء ...تريدين أن يعرف صخر....هل حقا تريدينه أن يعرف؟ -لن أستطيع أن أتخلى عنها كما تخليت عن أمها قديما يا شيخ .....سأقف معها وأساندها....سأخبرها.... - لا تفعلي يا فاطمة.. - بل سأفعل ....همت الجدة بالخروج من الخيمة ونهض الشيخ خلفها محاولا منعها...دخل صخر في تلك اللحظة تسمر الأثنان مكانهما....نظر صخر لجده مليا ثم نقل بصره لجدته - ماذا كنت ستقولين لها يا جدتي؟ همت الجدة بالكلام فصرخ الجد: فاطمة... نظر صخر نحو جده...تقدم منه في هدوء: مهرة أختي يا جدي....أليس كذلك؟ نظر الأثنان نحوه بدهشة هائلة........سالت دموع الجدة وتقاذف الخوف من عين الجد
--------------------------- كانت عالية تجلس مع مهرة الصامتة منذ خرجت من خيمة الجد.. - الن تنامي يا مهرة؟ - أريد أن أذهب للبيت.. - الوقت متأخر ..نذهب غدا صباحا.. نظرت لها مهرة في حزن عميق ومرارة: لا أقصد ذلك البيت الخشبي...أريد الذهاب لبيتي الحقيقي..هناك عند البحر.. نظرت لها عالية بإشفاق: هل تريدين تركنا هكذا سريعا بعد أن أحببناكي.. نظرت لها مهرة والدموع تسقط من عينها: لقد جئت أبحث عن أهلي فأضعت الشيء الوحيد الذي يمثل لي قيمة حقيقة في هذا العالم...ولم أجد ما كنت أبحث عنه...يا ليتني سمعت كلام أحمد.. شهقت وانتفضت من مكانها: أحمد....لقد نسيت...غدا ميعاد ندوته في العاصمة...يجب أن أذهب... خرجت مسرعة وعالية خلفها: أين ستذهبين؟ - سأبحث عن صخر يجب أن أعود الليلة بأي شكل... --------------------- في خيمة الجد جلس صخر يواجه جده الذي بدا عليه الشحوب وجدته التي إنغمست في دموعها الصامتة..كان صخر هادئا متماسكا ولكن عينه تحمل حزنا لا يستطيع إخفائه - كنت أسمع أبي يحكي لوالد عالية وأنا صغير عن أمي....لم أفهم كثيرا من الكلام وقتها ولكني فهمت أن أبي تزوج أمي ليصلح عارا جلبته هي على القبيلة.....أليس كذلك يا جدي... صرخت الجدة: لا يا ولدي......أمك لم تكن عارا.....لقد كانت متزوجة على سنة الله ورسوله... صرخ الجد: فاطمة.. نظرت له في تحد وقوة تعجب لها صخر: - لن أصمت الآن يجب أن يعرف الحقيقة.... أشاح الجد بوجهه وحولت هي نظرها إلى صخر وقد حل محل التحدي عطف وشفقة وحنان : - لقد تزوجت أمك قبل والدك من ذلك الغريب الذي سكن في ذلك البيت الخشبي....تقدم لخطبتها فرفض جدك لأنه ليس من رجال القبيلة....هربت معه وتزوجا ...بعث جدك خلفهما الرجال خطفوها وعادوا بها...كانت حامل..أخفاها جدك عن العيون وساوم زوجها على طلاقها مقابل الطفلة وإلا قتلها...بعد الطلاق زوجها لأبيك ..كان أبوك رجلا بحق حافظ عليها وأكرمها وكان رافضا لقسوة جدك معها وحاول كثيرا إقناع جدك أن ترى إبنتها ولكنه كان يرفض.....حتى حملت بك وماتت وهي تضعك... - هل تلك المرأة هي أمي.... حملق الجميع في مدخل الخيمة...كانت مهرة تقف في ذهول ووجهها باهت....وعالية تنقل نظرها بين الجميع غير مصدقة ما تسمع وجسدها يرتعش....صمت الجميع وتقدم منها صخر وعينه تحمل نظرات حنان وإشفاق.. - نعم يا مهرة....أمك....وأمي أنا أيضا... تنظر له مهرة محملقة في ذهول ..عالية ترتعش وتتجه حيث الجدة فاطمة ترتمي في حضنها مهرة تخرج من حالة الذهول..دموعها تنهمرفي هدوء..وجهها الشاحب يزداد شحوباً ..صوتها يخرج بصعوبة ممتليء بالألم وهي تحول نظرها للجد : لماذا؟ لماذا حدث هذا؟ ومن أجل ماذا؟ لا أستطيع أن أتخيل أي سبب في الدنيا يبرر ما فعلته بحياة أمي وأبي...بحياتي أنا..ماذنبي أنا؟...هل تستطيع أن تقول لي ماالذنب الذي أقترفته أنا لتعاقبني هكذا...تحرمني من أمي...وكنت تريد أن تحرمني من معرفة الحقيقة ومن معرفة أهلي للأبد.. لماذا؟ لماذا؟ يشيح الجد بنظره ويصمت.....مهرة تجري خارج المكان وصخر يصرخ خلفها : مهرة... ينطلق خلفها تاركا الصمت والدموع طائران يحلقان فوق الرؤوس ... انطلقت مهرة تجري نحو الصحراء في الظلام وهي تنتحب بصوت عال مسموع ..يلحق بها صخر ويمسك ذراعها تنهار بين يديه..يحملها ويعود بها وكيانه يرتعش من أجلها...ونظرات القلق والتوتر تتراقص في عينيه.. ---------------- - مهرة... يفيق من نومه في حجرته بمنزل أمه..مشاعره مضطربة متداخلة..إحساسه يحمل إنذاراً بالخطر... جاءت أمه على صوت صراخه..فتحت النور...وضعت يدها على كتفه ومسحت قطرات العرق على جبينه... - خير يا حبيبي... يتنبه للواقع من حوله...ينظر لأمه...يصمت..بداخله إحساس مخنوق... - ترى ماذا حدث؟!! سؤال يتردد في أعماقه .....يتمنى لو يراها الآن...يهمس في حنين قلق.. - مهرة.. تبتسم أمه في حنان وهي تضم رأسه لصدرها: ستراها غدا...يبدو أنك تحبها أكثر مما توقعت...كم أتشوق أن أراها.. قبلت جبينه وأطفات النور وتركته ليكمل نومه...ولكنه لم ينم... الإحساس المخنوق بداخله يحتل كيانه....ينظر لهاتفه... كان الفجر قد إقترب...: ربما هو مجرد كابوس....أكيد هي نائمة الآن....كما قالت أمي كلها ساعات وسأراها...نعم سأراها.... ولكن القلق مازال يزحف على صدره....... ----------------- تنقشع الظلمة...نور أبيض يأتي من مكان ما لا تدري مصدره... -أبي... يظهر أبوها من بعيد ماداً ذراعيه مبتسماً ...تنطلق نحوه سعيدة...ترمي بنفسها بين ذراعيه ... - أبي....أحتاج إليك...لا تتركني يا أبي...

تابع(البيت الخشبي)

(15) جاءت عالية تهرول للخيمة ... - جدتي أنت هنا... - ماذا بك يا بنيتي... - لقد سرقت مهرة...سرق منها عقد أمها الذي كانت تحتفظ به في البيت الخشبي ...إنها منهارة وتبكي بشدة ولا أجد صخر نظرت الجدة فاطمة للشيخ وعيناها تلمعان...ثم همت بالوقوف فساعدتها عالية.. - هل رأيت العقد من قبل يا عالية.. - لا يا جدتي ولكن كما قالت بالأمس.. أنه عقد ثمين من العقيق الأحمر مشغول بالفضة... إمتعق وجه الشيخ وظهرت علامات الإنفعال الشديد على وجه الجدة ولكن عالية كانت غارقة في أفكارها... - أظن أن حسان هو من أخذه...لا يوجد غيره في هذه الأنحاء قد يفعل مثل هذه الفعلة.. دخل صخر عليهم...لاحظ تلك العلامات على الوجوه... - ماذا حدث.. ----------------------- كان حسان يتنقل بين الموائد في عشته يتسامر ويتندر مع زبائنه وقد لعب الدخان برأسه فذهب ببعض وعيه... من بعيد كانت قمر جالسة ترقبه وعيناها تمتلئان بالكراهية والإحتقار... دخل صخر ومعه رجلان من القبيلة ...نظر حسان إليهم في سخرية .. - يا مرحباً يا مرحباً ....ماهذا الشرف العظيم... سحب كرسياً وأقترب به من صخر الواقف ينظر للمكان بتقزز ... - تفضل يا صخر...ماذا تحب...شيشة أم بيرة...كله موجود... في هدوء حازم ولكنه هادر نظر له صخر .. - أين العقد... - أي عقد... أشار صخر للرجلين فبدءا يفتشان المكان وحسان يصيح مترنحاً ... - ماذا تفعلان... كانت قمر تراقب ما يحدث ولا تتحدث... لم يجد الرجلان شيئاً ...أمسك صخر بجلباب حسان ونظر في عينيه مهدداً... - لو كانت لك أي علاقة بسرقة العقد فلن تبقى في هذا المكان لحظة واحدة.. غادر صخر ...خلفه كان شبحا يسير متسترا بعباءة سوداء... -------------------------------------- كانت مهرة تجلس أمام الخيمة تنتظر عودة صخر...صاحت عالية عندما سمعت صوت الفرس... - لقد وصل.. هبت مهرة واقفة وتنبهت حواس الجدة والشيخ ... - لم نجد عنده العقد... إنهارت مهرة من جديد وضمتها عالية تهدئها... كانت نظرات الجدة تشملها بالعطف وترسل توسلات للشيخ ولكنه أشاح بنظره بعيداً في غضب... - من أنت؟ وجهت عالية سؤالها لذلك المتشح بالسواد خلف الفرس... رفع القادم عباءته .. - أنا قمر... نظر لها الجميع بدهشة وتعجب....ولكن صخر تحولت نظراته لغضب... - ماذا تريدين ؟ - لقد سرق حسان العقد ...رأيته بالأمس يسرقه من البيت الخشبي ثم تقابل مع رجل أجنبي في الواحة وباعه إياه.. صرخت مهرة: عقد أمي باعه.....لقد ضاع.....ضاع كل شيء...كل شيء ....سامحني يا أبي.. نظر لها الجميع في إشفاق بينما إحتفظ الجد بنظراته الغاضبة ولكن خالطها بعض إرتعاشات نظر صخر لقمر متسائلا : - لماذا تشين به؟ - عندي أسبابي...يجب أن أذهب الآن.... وعادت تتشح بسوادها وتنطلق مبتعدة...... -------------------- الليل رابض يتنفس ظلمة ....رياح هبت تحمل الرمال في دوائر صغيرة وتنثرها في جوف الأفق الأسود ... صوت حيوان يعوي يتردد....تصمت المسامرات وترتفع الرؤوس وترهف الآذان والنفوس.... - وكأن الليلة تنذر بشيء... تمتم أحد الرجال...يتحلقون حول النيران كعادتهم ...ألسنة اللهب ترسم الظلال وتطرقع في صوت مقشعر.... الجميع في خيمة الشيخ صابر....المشاعر تختلط تتداخل..كل في واديه تتحلق حوله الأفكار ... الشيخ صابر مازالت ملامحه تحمل الحزم الغاضب التي تتقاذفها النظرات المترددة بين مهرة وبين الجدة فاطمة ....الجدة تتلقى النظرات وتحمل في عينها تجاهلاً لها وتلقى بكل حنانها نحو مهرة ...حنان يشوبه القلق والتوجس والرهبة....صخر يحمل ملامحه الجادة ...ثم لا شيء...ملامحه الجادة صامتة وعينه تتابع الوجوه . أما عالية فهي تجلس بجانب مهرة وقد رفعت نقابها...تمسك بيد مهرة بين يديها.. - ماذا سأفعل الآن....هذا العقد كان الشيء الوحيد الذي أملكه عن أمي وظننت أنه سيرشدني لأهلي... ألقى الشيخ بنظراته نحو مهرة التي أرعشتها النظرات الغاضبة الحادة ... - إني لا أصدق كل تلك التمثيلية .... همست مهرة في دهشة: تمثيلية... صاح بها الشيخ هادراً.. - نعم.......ذلك العقد الذي تتهمين ذلك الحسان بسرقته..وتلك العاهرة تأتي لتشي به لتؤكد مزاعمك، أشعر أن كل ذلك لعبة ملفقة ..أنتم الثلاثة تلعبون لعبة ما..... بهتت مهرة ...أول مرة في حياتها تواجه بمثل تلك الإهانات...لم يحدث لها يوماً أن أهانها شخص حتى بعد وفاة والدها..ذلك الحدث الذي جعلها تتصور أنها بلا حماية وجاءت هنا تطلب الأهل والحماية فوجدت نفسها تهان على يد شيخ كبير لا تملك أمامه رداً لإهانتها...تجمعت الدماء في وجهها ودموعها ترفض الإنهزام لضعفها.. صاحت الجدة فاطمة: - يكفي هذا يا شيخ صابر...الفتاة لم تفعل شيء ... - بل فعلت...إن... نهضت الجدة وهي تكمل صياحها والدموع تغلبها.... - يكفي يا شيخ صابر...أنت رجل قاسي القلب ...تريد أن تحاسبها على ذنب لم ترتكبه..لم تتعلم من الماضي...ألا يكفيك كل ما كان... نظر لها الشيخ في غضب مخيف... أمسكت الجدة بذراع مهرة.. - هيا معي يا أبنتي...هيا يكفيك هذا هيا.. قامت معها مهرة وعالية ...صاح الشيخ... - هذه البنت لا تبقى هنا بعد اليوم...من الصباح الباكر تعود من حيث أتت...لا مكان لهاهنا .. نظرت له مهرة وغضبها وشعورها بالإهانة يتزايد... - أنا هنا أعيش في منزل أبي ...أبحث عن أمي وأهلي...لن أذهب حتى أصل لما أريد... - لا أهل لك هنا .......أذهبي..... نظرت مهرة في عيني الشيخ وإحساسها بالغضب من الإهانة يتزايد ويرمي بها في دوامة من الضعف والتخاذل.......جذبتها الجدة فاطمة وخرجت بها ... ظل صخر واقفا ينظر لجده وبجواره عالية تدور عينها بينهما والحيرة تملئها...جاءها صوت صخر هادئ ولكنه يحمل نبرة حاسمة لم تستطع مجادلتها : أذهبي خلف جدتي يا عالية ..... نظر له جده ....لم يستطع أن يطيل النظر طويلا في عين حفيده التي كانت ترمقه ويشعر بها تكاد تخترق حواجز أسراره الداخلية فتفشيها كلها دفعة واحدة....لم يكن على إستعداد لمواجه أو حوار من أي نوع مع حفيده الآن.... - أذهب يا صخر ...إتركني وحدي ...أحتاج للخلوة.. جاءته نبرات صخر المصممة على فتح الحوار ..هادئة وحازمة في قوة - لماذا يا جدي....؟ نظر بغضب مفتعل تجاه حفيده وخرج صوته هادرا: - لأني أريد أن أختلي بنفسي يا ولد ...أخرج الآن... تقدم منه صخر ومازال ينظر في عين جده الذي أشاح بوجهه: - لا أقصد هذا بسؤالي يا جدي...أقصد لماذا كل تلك الثورة التي صببتها على الفتاة....الموضوع لم يكن يستحق ولا علاقة لنا به لنغضب ونثور.. لم يرد الجد وظل محتفظا بصمته مشيحا بوجهه ولكن قسمات ذلك الوجه كانت ترتعش ..إستأنف صخر كلامه بعد أن جلس بجوار جده: هل لنا علاقة بهذا الموضوع يا جدي؟ لم يجب الجد .... - جدي.....لقد جاءت تبحث عن أهل أمها.....أبوها كان يعيش هنا فترة من الزمن .....معها عقد من أوصافه يبدو كتلك العقود التي يقدمها رجال قبيلتنا لنساءهم عند الزواج بهم.....أليست هذه من عاداتنا...هل كل ذلك صدفة.. أضف لذلك ثورتك وغضبك و....خوفك.. نظر له الجد بغضب وثورة تفور من عينيه وهم بالكلام ولكن صخر قاطعه - أرجوك يا جدي....أريد أن أعرف الحقيقة..... - لا توجد حقيقة لتعرفها....قم الآن.....إذهب..... - ولكن يا جدي..... - قلت لك إذهب .... نهض صخر ومضى بعد أن ألقى على جده نظرة أخيرة وأشاح الأخير بوجهه بعيدا.... ذهب لجدته...... - كيف مهرة ردت الجدة بوهن وضعف ظاهريين - دخلت مع عالية ليناما... جلس صخر بجوارها: ما الحكاية يا جدتي...... بدأت الدموع تنهال من عينيها كأنها فيضان كسر السدود....شعر صخر بالشفقة عليها.....وزاد شعوره أكثر بفظاعة ما يكتمه الجد وتعرفه الجدة ولا تستطيع البوح به ولكنه تأكد من علاقة كل ذلك بحكاية مهرة وأهلها....قبل جدته في جبينها وتركها وذهب ..... ----------------------- دخلت قمر العشة....كان حسان قد وصل لمرحلة الغيبوية بعد أن قضى على كل أنفاس الشيشة وكل الحشيش الذي كان بحوذته.......نزعت عباءتها ونظرت نحوه بإشمئزاز....فتح عينه ورآها....نهض وأخذ يسعل ويبصق وهو يقترب منها.... - كنت فين يا حلوة....تعالي.... حاول أن يمسك بها فأفلتت منه وترنح وسقط أرضا..... - لمن بعت العقد يا حسان...... - أي عقد -عقد الفتاة التي سكنت في ذلك المنزل......العقد الذي سرقته ليلة أمس.. - أنا أسرق؟ ...أنا لا أعرف شيئا...أنا نظيف.......فتشيني... - لقد رأيتك وأنت تسرقه يا حسان...تتبعتك إلى هناك ورأيتك... وكأن كلماتها جعلته يفيق...نهض من عسرته وفي عينه الشر وتوجه نحوها مترنحا: - هل تراقبيني يا امرأة... وقفت تواجهه بتحد: قل لي لمن بعته وإلا سأبلغ عنك الشرطة وأشهد أنك من سرقته... - هل جننت يا امرأة ...وماذا يهمك في هذا الأمر من الأساس - لا لم أجن...ولكني أريد العقد.. - آه......كنتي تطمعين أن أهديكي إياه.....إنه غال جدا عليك يا امراة ...لا يتناسب مع أمثالك...إذهبي يا امرأة...لا تعكري على هذه الليلة......أمامك إختياران...إما أن تأتي بهدوء لتنامي في فراشي الليلة أو تذهبي من حيث أتيتي ...هيا نظرت له نظرة نارية وتلفعت بالعباءة وذهبت......ذهبت وسط ظلام الصحراء وهدوء الليل لا تنظر خلفها....

الجمعة، ١٧ أكتوبر ٢٠٠٨

تابع (البيت الخشبي)

(13) وصلا القبيلة.....الكل كان في إستقبال الضيوف ورائحة الشواء تعبق في الجو...... نظر صخر لعالية مبتسما في صفاء : أعتقد أن مهرة تحتاج ثوباً يناسبها ..... يتركهما معا ...يرى الجدة فاطمة تجلس أمام خيمتها. وحولها الأطفال كالعادة ، ولكن نظراتها كانت تسير مع عالية ومهرة......أقبل عليها ... - مساء الخير يا جدتي..... - مساء الخير يا بني...من تلك الفتاة التي جاءت معكم - اسمها مهرة يا جدتي....جاءت منذ يومين وتقيم في البيت الخشبي نظرت له الجدة وإرتعاشات تلمع في عينيها وتبدو على ملامح وجهها العجوز المتغضن - البيت الخشبي؟ - نعم يا جدة...تقول أنه منزل والدها.... تشرد الجدة وتصمت ... يبتسم صخر في عطف وإشفاق ويربت على كتف العجوز: - هل تصدقين فعلا تلك الحكايات التي تحكينها عن ذلك البيت يا جدتي أم أنها مجرد حواديت تخيفين بها الصغار حتى لا يبتعدوا عن حمى القبيلة... تنظر الجدة في عينه بعمق وتسرح صامته ...يقبل يدها و ينطلق لرفاقه ..... كانت تقف في ثوبها البدوي المزين بالنقوش والزخارف والنقاب قد غطى ضفيرتها وملامح وجهها......بجوارها عالية في نقابها هي الأخرى.....مر بهما صخر ...توقف يتطلع للعيون ....إقترب منهما .... - هل تعلمان أن لكما نفس العينين...... نظرت كل منهما للأخرى وقالتا في وقت واحد : حقا... ضحك صخر: ربما يجب أن تعود مهرة لملابسها العادية حتى لا نخطيء بينكما.... طالعته عينان تحملان نظرات الغيرة والعتاب ...نظر لصاحبتها مبتسما في صفاء : - عالية ...خذي مهرة للجدة فاطمة... ضحكت مهرة ورفعت النقاب عن وجهها: إذن كيف عرفت أن تميزنا عن بعضنا.... نظر لها صخر مبتسما: لا يمكن أن أخطأ عالية.... إنطلق مبتعدا وترك مهرة تتأمل عينا عالية وهي تتبعه وبها تلك النظرة الخاصة التي لم يستطع النقاب إخفاءها......إبتسمت ونظرت خلف صخر ولاح لها في الفضاء على أضواء النيران البعيده ملامح أحمد.. - صخر يرى أنني أشبهك..... تصمت عالية......تنظرلها مهرة: القلق في عينيك......هل تخشين أن يحبني؟ تنظر لها في رعب فتضحك مهرة ضحكة صغيرة: لن يفعل .....أنا أيضاً لن أفعل صمتت عالية ... مهرة سرحت ببصرها نحو الأفق الأسود ..... - هناك عند البحر تركت شخصاً ...هو خفقات قلبي الوحيدة... وصمتت كأنها أفرغت كل ما عندها من كلمات وصوت المنشد في أذنها يذكرها بيوم المولد...عادت لشاطيء البحر بخيالها السارح... - مهرة....... فزعت مهرة على صوت عالية : نعم.... - أين ذهبت....لقد سرحت بعيداً ...... ثم تداركت عالية نفسها وقالت: أعذريني ،لا أقصد التدخل فيما لا يعنيني... نظرت لها مهرة في صمت..... - كيف تفهمين اللوحات..... - تقصدين لوحات والدك؟ - نعم... - أنا لا أفهمها فقط أحس بها...... - ولماذا لم أستطع أنا ذلك.....إنه أبي.... - ربما تبذلين جهداً أكثر من اللازم في ذلك.....دعي الأمور للطبيعة فهي كفيلة بحل كل شيء.... - كلامك جميل.....أين تعلمتي ذلك..... - في الصحراء......وسط الرمال والهضاب وتحت السماء الزرقاء ......وربما من الماعز ضحكت مهرة: من الماعز.....تصورت أنك ستقولين من صخر.... نظرت عالية تجاه صخر ولمعت عينها: لقد علمني الكثير ولكن ما نتعلمه من البشر أقل بكثير مما نتعلمه من الطبيعة....إنها الفطرة التي خلق الله الكون عليها والفطرة لا تخطأ...... سارتا معا متجهتين حيث تجلس الجدة فاطمة.... - كيف أحببت "صخر"؟ - لست أدري........كنا معاً صغاراً وكبرنا ووجدت كل حياتي وذكرياتي تتصل به...... - والدك صديقه. - كل أهل الواحة يمتون بصلات قربى لبعضهم البعض وكانت تربط والدي ووالده هذه العلاقات ولكن ما كان يربط بينهما من صداقة وعشرة أقوى بكثير من كل رابطة دم يمكن أن تجمع بينهما..... لقد خاطر أبي بنفسه لينقذ والد صخر عندما هاجمته حية سامة في غفلة وتلقى والدي اللدغة وهو يحاول إبعادها ولكن السماء لم تكن قد قررت أن يموت بعد فعاش وظل والد صخر يحمل له هذا الصنيع. وعندما توفى والدي ظل والد صخر يرعاني حتى جاءه النداء العلوي وفارق هذه الحياة ليلحق بصديقه . - أنت وصخر أيتام الأب مثلي..... - وأيتام الأم أيضاً ......ماتت أمه وهي تلده وماتت أمي بعد وفاة أبي بعام ....كان عندي ستة سنوات - أمي أيضا ماتت..... - هل تعرفين يا مهرة ربما لا نشبه بعض في الملامح فقط ولكن في أشياء أخرى أيضاً .... الجدة فاطمة تجلس وبجوارها إحدى الفتيات تدلك ساقها بدهان..تدخل عالية وترفع نقابها ثم تقبل على الجدة تقبلها...خلفها تقف مهرة تنظر للجدة مبتسمة في ود .....تتعلق عينا الجدة بوجه مهرة....تمسك عالية بيد مهرة وتقربها من الجدة: هذه مهرة يا جدتي..... تهمس الجدة في وهن: مهرة؟ تقترب مهرة وتجلس بجوار الجدة: كيف حالك يا جدتي...... تتعلق عينا الجدة فاطمة بوجهها تتطلع فيه وهي صامتة شاردة...تكمل مهرة مبتسمة : - عالية محظوظة أن لها جدة طيبة مثلك ترعاها...هل تعلمين يا جدتي ،أنا مثل عالية يتيمة الأم والأب...ولكني لا أعرف أهلاً آخرين غيرهم ...عالية حكت لي عنك وكيف أعتنيت بها ....كم تمنيت لو كان عندي أهل مثلك ... تبدو علامات من الإرهاق والوهن على الملامح المتغضنة...تمسك عالية يد الجدة وتسألها في قلق: هل أنت بخير يا جدتي... تلمس الجدة وجه مهرة بيدها العجوز ...تنظر مهرة في عين الجدة وحالة من الشك تتلبسها... - هل أذكرك بشخص ما يا جدتي؟ تبعد العجوز يدها في بطء وتظل تنظر في هدوء صامت..... - ربما أشبه شخصا تعرفينه أو عرفتيه من قبل....هل هي إمرأة...هل تعرفين إمرأة تشبهني ؟ تشيح الجدة بوجهها وقد زادت على ملامحها إمارات التعب والجهد...تمسك مهرة بيدها وتنظر لها مستعطفة وقد بدأ الأمل يدب في روحها : أرجوك أخبريني ..فربما تكون تلك المرأة التي تشبهني أمي.....إني أبحث عنها...أنا.. قاطعتها الجدة وقد خرجت أخيرا عن صمتها: كيف لا تعرف بنتا أمها؟ - مات أبي وأنا صغيرة ولم يخبرني عنها...ولكني أملك العقد... - أي عقد؟ - عقد من العقيق الأحمر..... إنه.. - أين هو؟ - في البيت الخشبي....هل تريدين رؤيته.....سأذهب لأحضره... وقفت مهرة وهمت بالخروج فصاحت بها عالية: لا يمكن الذهاب الآن الليل قد حل والطريق طويل...صخر لن يوافق.. - ولكن.. - نذهب غدا يا مهرة...في الصباح...أليس كذلك يا جدتي.؟ نظرت مهرة للجدة التي كانت تطالعها ثم حولت عينها وقالت بصوت ضعيف واهن: خذي الضيفة يا عالية ..أنا متعبة وأريد أن أنام.. إقتربت منها مهرة : ولكنك لم تقولي لي شيئا.. أعطتها الجدة ظهرها وقالت في الوهن: الله هو العالم يا بنيتي...الله هو العالم..أتركوني الآن.. أمسكت عالية زراع مهرة وخرجتا وكل كيان مهرة ينتفض...... - إنها تعرف شيئا يا عالية وتخفيه.... - ليس أكيدا...إنها فقط متعبة قليلا....بالإضافة أن لديها موقف من ذلك البيت ومن كل من يسكن فيه ومن الأغراب لقد كانت تحكي لنا حكايات مرعبة ونحن صغار حتى لا نذهب هناك......صخر يقول أنها خرافات ولكن ربما هي تصدقها ولذلك تخشاكي.. ظهر التصميم في عين مهرة: يجب أن أذهب غدا للبيت لإحضار العقد.. وسط الصحراء وبعيداً عن العيون متخفية بالنخيل حولها كانت تلك العشة الصغيرة تقبع هناك في الظلام و الصمت ....نور ضئيل يتسلل منها ويضيء مساحة صغيرة حولها .... شبح متلفح بالسواد يقترب منها بخطوات حذرة وهو يتلفت عن يمينه ويساره .....فتح الباب سريعاً وهو يغلقه خلفه في سرعة بعد أن دخل..... صوت حسان يأتي من الداخل : أنا قادم..... كان المكان صامتاً هادئاً يخلو من البشر وتلك النرجيلة بالقرب من الكراسي المتراصة على بعضها البعض ينبعث منها دخان خفيف يعبق به الجو ويُشم فيه رائحة تسري بالخدر في الأعصاب.... ظهر حسان وهو يعدل من ملابسه وما إن رأى القادم حتى غابت الحماسة عن ملامحه: - أنتِ!!!! رفعت" قمر" العبائة السوداء عنها وظهر ثوبها الزهري القصير ووجهها الذي إمتلأ بالألوان ويخفي خلفه ملامح ثلاثين عاماً من العمر وقد تبعثرت خصلات شعرها عليه...... ابتسمت وهي تنظر للمكان الخالي بسخرية: - أين الناس ؟ جلس على أحد الكراسي ومد يده بمبسم النرجيلة في فمه : - اليوم إجازة..... نظرت له بتعجب ،أقتربت منه والنظرة الساخرة تملأوجهها وجسدهايميل مع كلماتها يميناً ويساراً : - هل اليوم هو الجمعة يا سيدنا أم أنه الأحد يا خواجة ...... نظر لها بطرف عينه وبصق ثم أكمل سحب الدخان من نرجيلته دون أن يرد عليها. إستفزها تجاهله لها : - ما الحكاية؟ .....هل هناك شغل اليوم أم لا..... - لا.... - ولماذا لم تتكرم جناب حضرتك وتخبرني ...... - لم أقرر ذلك إلا اليوم ومن ساعات قليلة فقط.... - لماذا.... - أنا حر.... - وأنا لست الجارية الخصوصية وأنت تعلم جيداً كم أعاني كل يوم حتى أصل لهذا المكان.... - لم أغصبك على شيء ،أنت من طلبت العمل.... ترك النرجيلة ووقف في مواجهتها ونظراته النارية تلفح وجهها: - اليوم بالذات لا أرغب في سماع كلامك الممل .......أريد ذهني خالياً تماماً لأفكر.....إذا رغبت البقاء فكوني كالهواء لا أشعر بك وإلا فلتذهبي كما جئت ولا تعودين إلا إذا طلبتك....... تنظر له في غضب ، أسرعت نحو الباب وخطفت العباءة وفتحته مسرعة بالإنصراف...... ظل وحيداً .......ينظر للباب المفتوح والطريق المظلم أمامه يفتش بعينه عن أي آثار لها في الظلام..... ذهبت كما أراد .....جلس على الأرض خارج العشة مستنداً بظهره لها... صورة مهرة تتداخل مع خيالاته.... قهقه ضاحكاً وهو يتخيل مهرة في ملابس قمر ووجهها الملون: بدلاً من أن تلقي بالألوان على رسوماتك ألقيها على وجهك يا مهرتي الصغيرة... ترى من أين لك بذلك العقد الجميل؟........ لست في منزلك الخشبي الآن......أستطيع بكل سهولة الذهاب والحصول على ما أريد ، ولكن هذا يجعل الأمر سهلاً جداً ......كنت أتمنى وجودك هناك حتى أستطيع تعليمك درساً لا تنسيه...... فكر قليلاً : ربما أستطيع أن أعلمك هذا الدرس في وقت آخر........ ضحك وهو يهم بالوقوف........أغلق باب العشة وسار مترنماً بأناشيد الصحراء ......ومن خلفه كان شبحاً يرقبه... ------------------- كانت تسير في خطوات بطيئة مرتكزة على عصاها الخشبية الغليظة....الجدة فاطمة كانت تتجه حيث إعتاد الشيخ صابر زوجها و زعيم القبيلة أن يجلس في هذا الوقت... كان الليل قد إنتصف وكانت النار المشتعلة في الحطب تضيء الخيمة والجد جالس في منتصفها يدخن نرجيلته .. - تلك الفتاة...مهرة...هل رأيتها - من بعيد مع عالية - أظن أنها هي...تشبهها لحد كبير... صمت الشيخ وحسيس النار يمليء السكون مع أصوات الرجال الجالسين حولها يتندرون ... - هل تظن ذلك أنت أيضاً ؟ يظل على صمته ..ينفس دخان نرجيلته في هدوء - لماذا الصمت...لو أنها هي فيجب أن نتحدث.. نظر لها وفي عينه غضب عظيم... - لا يوجد ما نتحدث عنه يا فاطمة.. - ولكنها قد تكون ... - فاطمة...ماذا حدث لك ...دائماً كنت تضيقين ذرعاً بالغرباء وتقصين على الأطفال ما يخيفهم وتقولين دائماً أنهم سبب كل بلاء...إنها غريبة وستذهب كما جاءت وينتهي كل شيء.. - لو أنها هي فلن تكون غريبة... - أصمتي يا فاطمة...

تابع(البيت الخشبي)

(14)
كانت تقف في مريلة المطبخ تجهزطعام العشاء بعد أن قضيا اليوم كله في التجهيز والإعداد لتلك الندوة...كان يراقبها وتلك الذكريات الطفلة مازالت تلاحقه ... - كنت تحب مساعدتي في تقشير البطاطس... نظرت نحوه وعيناها تبتسم ...مدت يدها بطبق يحوي بعض الثمرات وسكين.. - هل تحب أن تجرب؟ إلتقط الثمرات ...كان ينزع القشرة وكثير من الذكريات الضاحكة تتواتر كالخيال ...صدرت عنه ضحكة مفاجأة .. نظرت نحوه في دهشة وتعجب ..كتم الضحكة في أعماقه وأكمل تقشير الثمرات...ولكن مرة أخرى تتجمع تلك الصور القديمة فتدغدغ قلبه ولا تتركه إلا وهو واقع في غيبوبة من الضحك لا يتوقف... تقترب منه وهي تضحك دون أن تعرف سبباً لتلك الحالة التي إنتابته..كأن تلك الحالة إنتقلت لها عبر رادارها الخاص فعاشتها دون أن تفهمها... - ماذا بك...هل تقشير البطاطس يضحك لهذه الدرجة؟ من بين ضحكاته لم يستطع أن يشرح موقفه في كلمات واضحة ...لم يجد إلا كلمة واحدة قد تحل الغموض أخرجها في صعوبة من بين ضحكاته... - شوربة البطاطس.. ثوانٍ وانطلقت ضحكاتها بعد أن إستجمعت تفاريق الذاكرة موقع تلك الكلمة من الماضي... في جمل يبترها الضحك إسترجعا معاً تلك الحادثة القديمة ... الذكريات تسترسل يشدها الحديث وتشد كلاً منهما نحو الآخر في عمق...تعجب من نفسه...حاول أن يبحث عن ذلك الحاجز القديم الذي كان يقف بينهما...شبحه يرقد في ركن معزول في دهاليز صدره ..يرقد في سلام....لا يرغب في إثارته...هو يحتاج لتلك اللحظات ...لذلك الإحساس المليء بالسعادة والدفء وعبق الأيام الطفلة.... أما هي فكانت تشعر أن العمر قد عاد بها القهقري وأن السعادة لو توصف لكانت تلك اللحظات التي تجمعها الآن بإبن عمرها العزيز... فقط كان ينقصها شيء واحد...أن تضمه لصدرها...إشتاقت لرأسه الصغيرة تُدفن في صدرها ....إشتاقت لهدهدته وتدليله ...إشتاقت لدور الأم ...وكيف كان لها أن تصير أماً بدون إبن...والأن هاهو أمامها ،معها...فلتستمتع بأمومتها.. لتصبح أما ًولو لبعض الوقت........ - هذا هو حلمي الأثير... خرجت منها الكلمات السارحة في لحظة شرود وهي تعد المائدة...سمع الكلمات ... - ما هو؟ تنبهت لنفسها... - ماذا؟! - حلمك الأثير... صمتت تستجمع الواقع من الشرود....إبتسمت ومرت بيدها تلمس وجهه ... - أنت...أنت حلمي ...حلم الأم... ------------------------ - هذا هو حلمي الخاص...أن أعرف من كانت أمي ... كانت تسير مع عالية خلف أغنامها نحو المرعى في صباح اليوم التالي....عندما قابلا صخراً ... - كيف حال الراعية الجديدة.. ضحكت مهرة في مرح وهي تحمل العنزة البيضاء الصغيرة... - هل قررت البقاء معنا ؟ - هل يضايقك وجودي؟ - على العكس...هذا سيكون أفضل فالبقاء في الصحراء وحيداً ليس دائماً آمناً ....بقاءك معنا سيكون أفضل لك. لمست مهرة في كلماته الجادة ونظراته الحازمة شيئاً من الإهتمام دائماً ما كان يداخلها كلما كان يتحدث إليها ..هذا الشيء الذي جعلها تشعر منذ اللحظة الأولى بتلك الراحة تسري في أعصابها وذلك الأمن يحتلها كأنها لم تبتعد عن بيتها ..لم تكن تدري سبباً منطقياً لكل هذا ...كانت تخشى أن تتوهم أشياءاً لها علاقة برغبتها القوية في العثور على عائلة تضمها... إنطلق مبتعداً فوق فرسه بعد أن أوصى عالية بأن لاتتأخر في المرعى حتى الغروب... - هل هو دائماً هكذا؟ - ماذا تقصدين يا مهرة؟ - على الرغم من سنه الصغير إلا أنه يشعرني كأنه أب لكل شخص هنا حتى الشيوخ...يمنح الكل إهتمامه ويخشى على الجميع .... تطلعت عالية بنظرها بعد أن رفعت النقاب مطمئنة أن لا أحد سيقطع عليهما هذه الخلوة في المرعى... - هذا هو صخر ...خلف حزمه وجديته يوجد قلب عطوف رقيق يمتلئ بالحب للجميع ويرعى الكل ...هو قوي في غير قسوة وحنون في غير ضعف ... نظرت لها مهرة مبتسمة...طافت صورة حبيبة في خيالها لوجه رقيق حزين كان يضحك لها ويضحكها .... جلستا على الصخور ترقبان الأغنام... - لقد حدثتني عن حياتك كلها ولم تحدثيني عنه. - تقصدين أحمد.. - نعم. - هذا هو الشيء الوحيد الذي لا أستطيع الحديث عنه. - لماذا؟ - هو جزء من الروح تعبر عن نفسها بلا كلمات ... رن هاتفها.......كان أحمد.... - تحدد ميعاد الندوة بعد غد. - بهذه السرعة؟ - بالتأكيد.....ساراك، اليس كذلك؟ - لقد وعدتك وسأفي بوعدي. - وأنا أيضاً سأفي بوعدي....عندما تأتي سأعرفك بأمي.... - هل حدثتها عني.. - ليس بعد ولكني سأفعل بالتأكيد....كيف الأحوال عندك - عندي إحساس أني أقترب ...سأريهم العقد، ربما..من يدري.. - تذكري مهما حدث فأنا معك.. - أعرف.....وأنا سعيدة من أجلك....أقصد بخصوص أمك.. - وأنا أحبك....أراك بعد غد... ----------------------- - اسمها مهرة.... كانت تجلس بجواره تستمع ... - اسمها جميل.. صمت ناظراً إليها... - هل أستطيع أن أراها يوماً ؟ ضحك ... - هي أيضاً تريد أن تراك... سرح ببصره ناظراً للفراغ... -ستعود يوم الندوة كما وعدتني... - أين هي؟ - هذه حكاية طويلة..... - كلي آذان صاغية... هم بالقيام مبتسماً .. - ربما مرة أخرى...يجب أن أذهب الآن... - هكذا سريعاً ...ظننتك ستبقى معي لبعض الوقت... -هناك الكثير من الأمور بخصوص عملي تحتاج الترتيب...سأكون هنا غداً مساءاً ...سأبيت معك تلك الليلة... - حقاً ... - بالتأكيد.. كانت نظرات السعادة والحنان تحتل ملامحها...ذلك الحلم الجميل في طريقه للتحقق من جديد على أرض الواقع... سيرحل....ولكنه سيعود... الآن هناك أمل.. -سأنتظرك... --------------------- - سأدخل لأحضر العقد..أنتظريني هنا.. إنتظرتها عالية في الخارج... لم يمضي وقت طويل حتى ظهرت مهرة على باب البيت تصرخ في جزع... - عالية... أسرعت عالية نحوها...دخلت المنزل...كانت مهرة في حالة من الجزع والهياج الشديدين تبعثر كل شيء - ماذا حدث... - لا أجده...مستحيل لقد كان هنا...أين ذهب... إنه الشيء الوحيد الذي كنت أستطيع الوصول به لأمي...كنت أريد أن أحضره للقبيلة ربما تعرف عليه أحد شيوخها....ربما تعرفت عليه جدتك ..ماذا أفعل الآن...ماذا أفعل... عندما يأست من العثور عليه أصابها اليأس ...سقطت وسط اللوحات المبعثرة وإنهارت باكية وجسدها يهتز في عنف... أسرعت عالية إليها وضمتها في صدرها تحاول تهدئتها وعقلها يعمل ... - هل رآه أحد معك... - لا...لم أريه لأحد .. - هل دخل حسان إلى المنزل في المرات القليلة التي زارك فيها. - نعم...أمس... صمتت عالية وهي تمسح على شعرها في حنان وتمسح الدموع عن وجهها وعلامات التفكير على وجهها... - سنعود للقبيلة وهناك سنخبر صخر بما حدث ...لا تقلقي سيجد العقد بإذن الله...

 
template by suckmylolly.com flower brushes by gvalkyrie.deviantart.com