الثلاثاء، ١٤ أكتوبر ٢٠٠٨
البيت الخشبي
(1)
كان يوماً من الأيام التي تمر عليها ..... ورغم كل القوة التي تتمسك بها في نفسها ورغم كل العالم المليء من حولها بالأصدقاء والأحداث إلا أنها كانت تشعر في هذا اليوم برغبة شديدة .... أن تراه...ترى والدها الراحل ......
ذهبت للقبر ولم تقف ثواني معدودة فقد شعرت بالضعف يزحف لها وبدموعها قد بدأت تتكون وهي تخشى ذلك وتتحاشاه وترفضه بقوة........
ذهبت سريعاً وسيل من المشاعر المتناقضة والمتزاحمة يتصارع بداخلها .......
أخذتها قدماها لصديقها الوحيد.... البحر ..أمواجه ...صخوره .....
جلست هناك تراقب في صمت......
أمضت الخمسة أعوام بعد رحيل والدها على شاطيء البحر ...منزلهم هناك يطل على الأمواج التي تضرب الصخور وتتلقاها الصخور في صلابة فتتكسر الأمواج فوقها وتتفتت وتعود لتنحسر بعيداً معلنة هزيمتها....هكذا كانت تظن...
قال لها والدها يوماً : الأمواج لم تنهزم.....ولكنها تحاول مرة ومرة وبعد سنين تتآكل الصخرة وتنتهي أشلاؤها في أعماق البحر وتبقى الأمواج......
فاجأها بهذا الكلام.....غيّر كل الفكرة التي تصورتها يوماً وتعلمت أن تصبر وتحاول حتى تصل لهدفها مهما كان صعباً أو مستحيلاً حتى وإن كانت تضرب في الصخر فيوماً سيتفتت تحت قبضتها.....وشعرت بالقوة وعاشت مع والدها قوية حتى تركها.
حاربت نفسها وصممت أن تحتفظ بقوتها ومضت تحيا الخمسة أعوام تسير في حياتها ।
دخلت المرسم الصغير......اللوحات يزدحم بها المكان ......كلها لوحات والدها وقليل من لوحاتها الخاصة تنزوي في ركن .......
غادرها والدها دون توقع..... كانت في الثالثةعشرة من عمرها عندما تركها صباحاًُ في سريرها بعد أن ودعها بقبلة على جبينها ولم يعد......أخبرتها الست خديجة وهي تضمها لصدرها بحنان وشفقة أنه مات.
لم تره، فقط شاهدت النعش يدخل في باطن الأرض ويغيب فيها وهي تقف في سوادها لا تدري ماذا تفعل....الست خديجة تبكي وهي أيضاً ترغب في ذلك ولكن الدموع تعصاها.....منذ ذلك الوقت أصبحت وحيدة.....تعيش مع الست خديجة التي ربتها منذ نعومة أظافرها والتي أصبحت المسئول الوحيد عنها بعد رحيله ،فهي لا تعرف أقارب أو أهل غيرها....
نظرت بجوارها لصورته الصغيرة داخل الإطار... تبتسم وسط زلال الماء المتجمع بين الجفنين....
كانت تبتكر المحاولات لتضحكه ولتخرجه أوقاتاً من سكاته الطويل وسرحته الدائمة مع نفسه .
تعلمت الصمت منه.....كان يغيب عنها أوقاتاً يجلس في هذا المرسم الصغير ويلعب بألوانه وفرشاته....تتسلل له في صمت وتجلس في ركن بعيد تراقبه.....لا يشعر بها فهي هادئة ساكنة وهي تستمتع بوجودها بجواره في صمت.....
قد تنام في ركنها المنزوي وتستيقظ في الصباح لتجد نفسها نائمة على السرير بجواره.
حاولت أن تلعب بالألوان مثله....أمسكت بلوحة وبدأت العمل وهي مندمجة......كلما نادتها الست خديجة لتتناول الطعام أو تستذكر دروسها كانت تصيح بها: أنا أرسم......أريد هدوءاً ....أنت مزعجة يا دادة خديجة......
فتضحك الست خديجة وتتركها حتى يأتي والدها من الخارج.
كانت تسأله دائماً: ماذا ترسم يا بابا....
- أرسم أشياءاً .....
- ما هي؟
- لست أدري على وجه التحديد.....إنه إحساس يخرج مني وتشكله الألوان حتى يصبح كما ترين.....
تنظر للوحة.....
- أنا لا أفهم منها شيئاً
- ليس بداخلك نفس إحساسي......ولكنك قد تصلين منها لشيء......إحساسك الخاص قد يتداخل معها لتفهميها بطريقتك أنت.
- حتى هذا لا أستطيعه.
- حاولي....
ومنذ ذلك الوقت تحاول.....
وقفت أمام اللوحات المبعثرة في المكان.......
اللوحات التي القت عليها بألوان فرشاتها..... تشعر بالرضى عندما تملئ الصفحة البيضاء بالألوان وخاصة ألوانها الأثيرة...... الأزرق والأصفر.... تستعمل اللونين بغزارة.
كانت تهرب دائماً مع الألوان وللألوان ،وعندما تعجز فرشاتها عن خلق ذلك العالم اللوني الذي يتصارع بداخلها تهرب للفضاء ،للبحر أو الصحراء........تعلمت كل ذلك من والدها وتشربته وانتقل لها مع الهواء الذي كانت تتنفسه وهي تجلس صغيرة تراقبه في مرسمه الخاص............
دخلت الست خديجة: الغداء جاهز يامهرتي الصغيرة....
كالهمس ردت: أنا قادمة يا دادة.....
على المائدة، مازالت تغوص في أفكارها وذكرياتها ، أو مازالت الأفكار والذكريات تغوص فيها....عندما تكون في هذه الحالة لا تدري أيهما قد تشبع بالآخر.....هي من تشبعت بأفكارها أم الأفكار تشبعت بها
كانت إجازة الصيف قد بدأت منذ أيام.....وبدأت معها تلك الحالة التي تتكرر كل عام منذ فقدت والدها في مثل هذا التوقيت.....
في فترة الدراسة كانت تغوص في كتبها ودروسها وأصدقاءها نهاراً ، وتسهر مع لوحاتها وألوانها ليلاً ....كان الوقت قليلاً أو هي كانت تتعمد تقليله قدر المستطاع حتى تهرب من عقلها وأفكارها السارحة....
وعندما يبدأ الصيف ، يصبح النهار ممتداً طويلا ً...والوقت مهما حاولت يظل منه الكثير متربصاً بها منتظراً يمهد لهجوم الأفكار والذكريات على عقلها وقلبها الصغير.....
بجوارها كانت تجلس دادة خديجة تسترق النظر لوجهها ...تقرأ عليه علامات الإجهاد والحيرة والحزن...
ربتها منذ كانت رضيعة وتعلمها جيداً ...تستطيع أن تقرأ صفحة وجهها دون أن تتحرك شفتيها لتعلن ما يجول بخاطرها....وقليلاً ما تتحرك شفتيها...فهي تعلمها، تفضل الصمت وتغلق باب نفسها على ما بداخلها لا تبوح به لأحد....فقط كانت تبوح لأبيها وتجلس معه بالساعات يتحدثان ويضحكان ، أو يصمتان تاركين الألوان تتحدث على الصفحة البيضاء في المرسم الصغير ....يلفهما صمت الكلمات وتنتشر بينهما لغة الروح والمشاعر والألوان...
ترفع دادة خديجة نظرها لوجه مهرة السارح ، ورغم صمت مهرة فهي تعلم جيداً ما يدور في عقلها وما لا تبوح به مشاعرها...
ذلك السؤال الذي تحاول الهروب منه ثم تعود له تحاول البحث عن إجابة له بين طيات الذاكرة وخطوط الفرشاة على لوحات أبيها وتلك المقتنيات القليلة التي كان حريصاً عليها في حياته وكلماته المقتضبة عن أمها الراحلة....
تعلم دادة خديجة أن الصغيرة منذ بدأ وعيها يتفتح جبراً وقسراً بعد فقدها لأبيها تحاول أن تجد لنفسها مكاناً في هذا العالم...مكاناً به أناس ينتمون لها وتنتمي لهم....أناس تعتمد عليهم وتثق بهم ...يمنحونها الأمان والحماية والحب .
تعلم أن الصغيرة تبحث بقلبها عن الأهل وتبحث بعقلها عن إجابة للسؤال...هل هذا العالم من حولها لا يوجد فيه من البشر من يهتم لأمرها غير والدها الراحل ومربيتها المخلصة.....هل هي وحيدة....
رغم كل الأصدقاء والأحداث...... رغم نجاحها وتفوقها الذي لم تتصوره مربيتها نفسها والتي أعتقدت أن وفاة الأب سيؤثر على طفلتها سلباً ، رغم هوايتها التي برعت فيها ونالت عنها الجوائز ....رغم شخصيتها الودودة وخلقها المهذب وجمالها الهاديء المحبب للنفس الذي يجعل من يعرفها يألفها ويصادقها...رغم كل ذلك فشعور الوحدة يحتلها ويشعرها بالضعف....كيانها الصغير في مواجهة هذا العالم....أي رهبة وأي خوف وأي قلق يحتلها ويشملها....
كانت دادة خديجة تنظر لمهرة وهي تعلم كل ذلك ، لا تحاول أن تواسيها أو تتلطف معها في كلمات حانية تخفف ثقل تلك الحمول على قلبها وعقلها الصغيرين....تعلمها عنيدة رافضة لتلك المحاولات التي تزيد من شعورها بضعفها وحيرتها ومشكلتها التي لا تجد لها حلاً ....تعلمها آبية للإعتراف جهراً بما يدور داخلها وتفضل الصمت .
كل ما تستطيع أن تفعله دادة خديجة أن تصمت...تصلي في خشوع وتضرع وتدعو الله من كل قلبها أن يعين الصغيرة
كل ما تستطيع أن تفعله أن تحافظ عليها وتحفظ لها حياتها كما كانت أيام والدها الراحل معتمدة في ذلك على تلك الثروة الصغيرة التي تركها لها قبل وفاته والتي فوجئت بها كما فوجئت بتلك الوصية التي تجعلها الواصية والراعية على الفتاة وأموالها وحياتها حتى تبلغ الرشد...
أفاقت مهرة من سرحتها الطويلة على صوت دقات الساعة تعلن الخامسة مساءاً ....نظرت لمربيتها ...
إبتسمت لها دادة خديجة فبادلتها الإبتسام ....تحبها....كانت هي أمها الوحيدة التي عرفتها في هذه الحياة....هي الوحيدة التي تجعلها مازالت مستعدة وقادرة على الحياة ....لا تعرف ماذا سيكون الحال لو لم تكن دادة خديجة....شعرت برغبة في الإرتماء في حضنها....لم تتردد وألقت بنفسها في حضن مربيتها وإستكانت في هدوء مغمضة العينين تاركة شعرها الكستنائي المموج لمربيتها تسرحه بأناملها وتطبع بقبلاتها عليه وتغني لها تلك الغنوة التي إعتادت سماعها منها منذ كانت صغيرة....
- دادة خديجة..
- نعم يا مهرتي.
- لم تعرفي أمي أبداً ؟
كان هذا السؤال يتردد كثيراً في الحوار بينهما وخاصة في مثل هذه الفترات التي تحتلها الأفكار والذكريات....
تتنهد المربية وهي تمسك بخصلات شعرها تجدلها في ضفيرة طويلة كما إعتادت مع صغيرتها.
- لا يا عزيزتي....
وكان هذا هو الرد الدائم الذي لا تمل المربية من ترديده في صبر وهدوء ....تعلم أن صغيرتها تصدقها ولكنها تتمنى بخيالها ومشاعرها لو كانت مربيتها تعلم....لذلك كانت تردد السؤال كل فترة وتتلقى نفس الإجابة في صمت.
- متى كانت أول مرة رأيتني فيها يا دادة؟
- كنا في الشتاء وجئت لهذا المنزل مع أحد أقاربي لأعمل مربية لك....كنت صغيرة جداً لم تكملي عامك الأول بعد ، وعندما وقع بصري عليك دخلت قلبي وروحي لحظتها ، لم أنجب في حياتي وقررت أن تكوني صغيرتي التي لم أنجبها...حمدت الله عليك وعشت معك ومع والدك طوال هذه السنين وكل يوم أشكر الله على هذه العطية الرائعة.
أفلتت مهرة من بين يديها في مرح وشقاوة وقبلتها
- وأنا أيضاً يا دادة أحبك وأحمد الله عليك.
ضحكت المربية في سعادة وهي ترى المرح يملاء وجه صغيرتها ، لا تدري هل هو مرح حقيقي أم محاولة منها للهروب من تلك الحالة التي كانت عليها منذ لحظات ....المهم أنها الأن قد عادت لطبيعتها المحببة ....
- هل ستخرجين لأصدقاءك؟
- لا، سأدخل المرسم ....أريد أن أكمل لوحتي فقد إقترب ميعاد المسابقة.
Posted by شيرين رضا at ٧:٢٩ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
رحلتي إلى أعلى النهر
أسندت ظهري على الكرسي أراقب حركات المياه والعديد من المسافرين ينتشرون فوق سطح الباخرة
يستمتعون بالمنظر والهدوء .
في كراستي أكتب تاريخ اليوم وبعض سطور:
( اترك كل شيءٍ خلفي وانطلق في ذلك الطريق دون تفكير........دون إراده، كأنني مسحورٌأو مُنقاد، وكأن عقلي قد تخلى عني للحظات وسمح للهوى بأن يتدخل ليُسير حياتي كما يريد.)
توقفت عن الكتابة وسرحت مع المياه وعقلي يفكر:
لا، ليس الهوى فلو كان هو من يسيرني لعاد بي..عاد إلى ذلك العالم الذي انطلقت وتركته خلفي رافضاً كل شيءٍ به وكارهاً مجرد لحظة تواجدي فيه. ليس الهوى هو قائدي..
شطبت الجمل الأخيرة وعدت أكتب :
(اترك كل شيءٍ خلفي وانطلق في ذلك الطريق دون تفكير......دون إراده، كأنني مسحورٌأو مُنقاد، هي رغبة دفينه بداخلي للتحرر من كل القيود..قيود العقل والقلب معاً....ربما لحظة جنون..ربما لحظة تمرد..أو ربما لحظة صدق مع النفس قد لا تتكرر كثيراً..مهما كانت هي ..فلتكن كما تكون ولكنني لن اتدخل الآن ..سأترك كل شيءٍ يسير وفقاً للأقدار..ولأنطلق في ذلك الطريق.. .... في النهر..رحلةٌ تبدأ من المصب الى المنبع..أو بأتجاه المنبع..الى أعلى النهر ..مغامرةٌ قد تكون ..شيءٌ غير محسوبٍ أو محدد ..مجرد انطلاقه قد أصل منها لشئ أو لا أصل على الأطلاق ....)
عدت أتأمل المياه تسير بجواري........عدت أتأمل صورة باهتة من حياتي...... تعودت منذ الأزل أن اخرق كل القوانين التقليدية العتيقة وانطلق فوقها بكل عنادي ورغبتي في التغيير حتى أصل لما أريد ..لم تستطع نفسي أن تسير بكل هواده وطاعه مع أصول الأمور ..مع النظام السائر والقواعد الموضوعه المضبوطه منذ الأقدمين..كانت دائماً ما ترفض وتتحايل لتنطلق فوق كل شيءٍ موضوع ومنظوم..تريد أن تخرق الأشياء وتغيرها وتبدلها..كنت دائماً ما اصطدم بالعوائق والمثبطات ولكنني لا أقف ..استمر في طريقي مؤمناً بما أريد وما أحلم ..حتى كانت تلك اللحظه التي يجب وأن تمر بكل إنسان خلقه الله على وجه هذا الكون.... لحظة الضعف الأنساني.....
فتحت صفحة جديدة في الكراس وكتبت:( لحظة الضعف........إنها لحظة يصبح فيها البشر غير قادر على أن يكون نفسه كما يريدها بل يكون كما تريدها هذه اللحظه بكل أحداثها وشخوصها وملابساتها.. يصبح إنساناً مختلفاً في أفكاره واتجاهاته وميوله وافعاله..مجرد لحظه يفقد فيها نفسه فيفقد كل شيء..ومهما حاول أو قاوم..لا يفيد فالقدر واقع لا محاله وكل إنسان يجب أن يجرب ويمر بها وينكوي بنارها..نار التخلي عن كل شيءٍ للحظه هي كل شئ..ثم نار الندم بعد أن يفيق من غيبوبته ويكتشف ما كان وما سيكون..)
تساءلت مع نفسي: هذا كله لمجرد لحظه؟..فما بالها إن كانت لحظات..بل أياماً، وسنين طويله تبدأ بلحظة جباره تفقد الإنسان ذاكرته وتخلق له ذاكره وكيان جديد يعيش به كل هذه السنين حتى تأتي الصدمه فتعيد له الذاكره ليكتشف كل الحقيقه..... أنه إنسان ضعيف.
متى حدث ذلك؟!!!......ربما منذ التقيت بها......زوجتي الجميلة الساحرة الثرية
حدث كل شيءٍ دون تفكير..أحببتها..وكان هذا هو ضعفي الذي لم أستطع أن أهرب منه طوال سنوات عشتها في ذلك الوهم .. هي أيضا عملت بإستمرار على أن لا أفيق من ضعفي..بل كانت تستخدمه لصالحها....قالت أن هذا حباً..أنها تريد أن أظل دائماً لها ..أن نظل سعداء..وكنت أصدقها..واستمر في الأستسلام لما تريد..تخليت عن كل شئ..عن عالمي وكياني وعن نفسي وأفكاري وانطلقت أعدو في عالمها بكيان مختلف ونفس غريبه ولكنني لم أهتم..انطلقت وهي تغزيني بالوقود..جمالها وحبها وكلماتها ورقتها..كل شئ تستخدمه بكل حكمه لتدفعني في طريق هي ارادته ورسمته..واصبحت مثل الأخرين أسير وفقاً للقواعد والأصول ..لا اخرج عن جادة الطريق أو احاول التغيير والتمرد..لقد اصبحت قطاً اليفاً بين يديها.
صوت ضحكة ناعمة تصل لآذاني وتلفت حولي لأرى تلك المرأة تتناغم في حديث هامس مع جارها الجالس بجوارها .
ابتسمت ......إنها تشبهها وربما تحاول الآن مثلها أن تفرض كيانها على ذلك الجالس معها لتضعه في حيز وجودها وتستقطب كل حواسه وأفكاره وحياته لتخلق منها كياناً جديداً يصلح لها.
عدت لذكرياتي وأفكاري ......لقد مرت السنين ،ثم انقلب كل شئ بداخلي..التقيت بنفسي الغائبه وتواجهت معها. التقيت معها في صورة تلك الفتاه .."ليلى" ،التقيتها في لحظة أيضاً ..ولكنها غير كل اللحظات..لحظة قوة..لحظة تمنح الأحساس بالجمال وتجعل النفس قادرة على الحياه برغم كل ما بها من مشاق..لحظه تهز الكيان كله جعلتني أتجول دون ان أدري في أيامي وماضيّ ومستقبلي..هذا ما فعلته "ليلى"..فعلته رغماً عنها وعني..
وليلى ليست كزوجتي الجميله الرقيقه الناعمه.... إنها تفتقد للقدره على الرؤيه والسمع والكلام..
تبسمت لنفسي وأنا أتمتم :هذه هي الحقيقه إنها عمياء وصماء وبكماء..
لعل وجودها في الحياة رغم كل ما بها من إعاقات جعل صدمة رجوعي لنفسي من خلالها ممكنه..لقد ذكرتني بما كنته..بذلك الإنسان الذي كان يرفض الموضوع والمنظوم والمعقود..الذي كان يرحب بالسير عكس كل القواعد الباليه والأنطلاق فوق الأشواك..الذي كان يتحرر من قيوده ليرسم خطوط الحريه ليس من أجله فقط بل للجميع.."ليلى" التي ظننت أن أعاقتها قد قيدتها هي التي ذكرتني بكل ذلك..فهي كذلك.
أغمضت عيني لأسترجع ذلك البريق المُصر في عينيها - برغم فقدهما للقدره على الرؤيه- ..وخلايا وجهي تتذكرحركات أناملها عندما مرت بها على وجهي تستقرأ كل خلجه فيه عن ماهيتها تماماً كما تمر بها على كل شيء تقع عليه يديها لتقرأ حدودها فتراها..
الغريب أنها كانت تعرف ما أحاول إخفاءه عنها كلما مرت بأناملها تتحسس وجهي كانت كالساحره التي تستطيع أن تقتلع من خلايا جلدي ما يشعر به قلبي من أمور..كيف كانت تفعل ذلك ..ربما لن أعلم إلا إذا فقدت القدره على الرؤيه مثلها..لكم تمنيت ذلك فلربما عندها اصبحت قادراً على رؤيه أفضل للبشر..كانت تسمع عن طريق أناملها أيضاً..تضعها على شفتي حين أتحدث فكأنها تسمع كل ما أقوله لها من كلمات..لكم أحببت تلك الطريقه..حاولت أن أجربها..كنت أغمض عيني وأضع يدي على شفتي وأتحدث بصوت غير مسموع..ثم أنتبه لنفسي وأضحك....وتسألني لماذا تضحك..فأخبرها..وتضحك بدورها ..
كانت تتحدث معي بالأشارات ..أيضاً تستخدم أناملها العزيزه ..تعلمت لغة الأشارات خصيصاً من أجل أن أفهمها وهي تتحدث ..لم أعكف على شئ مثلما عكفت على ذلك الأمر منذ أن التقيت بلحظة ضعفي..زوجتي.
عدت أكتب في كراسي : (ليلى ....كانت عالماً من الحياه يدب بداخلها وحولها على الرغم من كل شيء..وكانت خير مثال على الخروج عن المألوف والقواعد..كانت الشاذ من بين تلك القواعد..وعندها بدأت أتذكر نفسي..كيف كنت وكيف أصبحت..تذكرت ضعفي..تذكرت تلك التي أحببتها وبدأت أفكر..ومع بداية تفكيري بدأ كل شيء بداخلي يأخذ مساراً مختلفاً..بدأ يعود تدريجياً ليسير عكس التيار ..بدأ يعود لنفسه..وبدأت أعود لنفسي )
توقفت عن الكتابة وابتسمت في أسى..... الأمر لم يكن بهذه السهوله..كانت هناك الكثير من الضرائب التي لا بد أن أدفعها ..وزوجتي الرقيقه الوديعه لم تعد كذلك بعد الآن..تحولت هي الأخرى..اصبحت شخصاً لم أعهده من قبل..وبدأ كل شئ يسقط من حولي..كل الكيان المبني على الضعف والأستغلال والزيف..وتماماً كما يحدث عندما نحاول أن نعاكس سير الأشياء فلا بد من زلازل وبراكين وغيرها من الأمور ولكن هذا لا يهم فقوتي بداخلي قد عادت مع"ليلى" التي أعادت إليّ الحياه.....ثم بدأت تنسحب شيئاً فشيئاً من حياتي..بدأت تبتعد..
سألتها لماذا؟......أجابتني بأناملها الرقيقه :( .إنه طريقك أنت.. يجب أن تسيره بفردك لتكون أنت..بعيداً عني وعن كل الأشخاص يجب أن تجد الطريق الذي تريده بنفسك........).ولم تكمل فقط أختفت من أمامي..
تنهدت.....مرت الأيام وأنا في حيره وتفكير..أشعر بأنني كنت أمسك بشيءٍ يهديني الطريق ففقدته وضللت..بدأت أشك فيما أريد وما أتمنى..ما أحلم وما أسعى له..مرت الأيام وأنا لا أفعل شيئاً غير التفكير بلا هدف أو نقطة التقاء للأفكار..ثم جاءت تلك اللحظه..قررت أن أنطلق في ذلك الطريق دون تفكير..دون إراده كأنني مسحوراو مُنقاد وكأن عقلي قد تخلى عني للحظات..قررت في لحظة صدق مع نفسي أنني يجب أن أبتعد لعلي أجد نفسي في مكان ما بعيداً عن كل شئ..وقررت الرحله إلى أعلى النهر..
عدت أكمل كتابتي في الكراس:( ॥رحلةٌ تبدأ من المصب الى المنبع..أو بأتجاه المنبع..إلى أعلى النهر ..مغامرةٌ قد تكون ..شيءٌ غير محسوبٍ أو محدد ..مجرد انطلاقه قد أصل منها لشيءٍ أو لا أصل على الأطلاق ...........وللمصادفة فإن رحلتي هذه هي رحلة عكس التيار)
كتبت لأول مرة في عام 2001
Posted by شيرين رضا at ٦:٣٦ م 0 comments
Labels: قصة قصيرة
الاثنين، ١٣ أكتوبر ٢٠٠٨
نبتتي علمتني سر الحياة 2
من جديد تعطيني نبتتي دروس في الحياة.......من بين كل مجموعة من الوريقات التي تولد من رحم أمها سليمة معافاة زاهية نضرة ،تخرج وريقة يها تشوهات ..لم يكتمل نموها أو تبدو أطرافها متآكلة بنية اللون....(كأنها تشبه الإنسان حينما تضع أمهات أجنة أصحاء ولكن هناك البعض يرزقها الله بجنين به تشوهات أو نقص في النمو... إنها الحياة لا تسير دائما على وتيرة واحدة ولا بد من النقص لنحمد الله على الكمال ولا بعد من العيب حتى نرى الجمال..)
نبتتي أعطتني درسا آخر.....أحد الفروع التي قطعت سابقا وأعدت زراعتها وكانت تحمل الطرف النامي وجدتها من عدة أشهر ماضية قد توقفت عن النمو وبدت الورقة الأخيرة كأن غشاءها لا يحمل برعما جديدا....كأنها عاقر لا تنبيء بولادة ورقة جديدة .....تعجبت فهي لديها كل مقومات الحياة لماذا لا تستمر في النمو وإخراج المزيد من الوريقات..
ولأني حفظت الدرس القديم أن الحياة دائما تجد لها طريق فقد داومت على ريها بالماء كل يوم طيلة شهور طويلة ثم فجأة بعد طول إنتظار أطل البرعم الجديد وإستكملت النبته نموها..(تشبه المرأة التي لا يوجد لديها أي موانع للحمل ولكن لسبب لا يعلمه إلا الله يتأخر حملها كثيرا ثم بعد طول إنتظار يأتي الجنين المنتظر....لا يأس من رحمة الله)
نبتتي أيضا نمى من أحد براعمها الجانبية ساق جديدة ليس هذا فقط بل كانت هناك ورقة وحيدة بجوار كل تلك الفروع النمية مغروسة في الطين وكانت صغيرة ولكنها نضرة وقوية وظلت كذلك وحيدة لا تنبت ولا تورق طيلة عام أو يزيد ثم مؤخرا مع خروج الفرع الجديد من البرعم الموجود في الساق الملاصقة للورقة الصغيرة فوجئت في ذات الوقت بأن الورقة الصغيرة قد طالت وكبرت ونمى خارج غشاءها وريقة صغيرة أخرى ثم توالت الوريقات ..وهكذا نمى فرع جديد تماما من تلك الورقة الصغيرة التي ظلت سنة أو يزيد لا يبدو عليها أنها ستكون أصلا لفرع كبير..
(طول الصبر يبلغ الأمل).......هكذا علمتني نبتتي....ومازلت أتعلم
Posted by شيرين رضا at ١٠:٠١ م 0 comments
Labels: Nature
الباب المغلق
أشرقت الشمس منذ قليل،أشعتها تتخلل الشيش المغلق لتلقي ببعض الضوء داخل الحجره الصغيره الساكنه،وبرغم ذلك اللون الداكن الذي يشمل الغرفه فإنك تستطيع أن تلمح موقد الغاز في أحد الأركان وبجواره طاوله خشبيه منخفضه رُصت عليها العديد من الأكواب المتسخه وبها بقايا الشاي الحبر الثقيل . كل ما يملكه الشخص القاطن هنا من مجموعة الصحون المختلفه هو تلك الأكواب ومعها ذلك البراد الذي لا تستطيع تمييز لونه ربما بسبب ضعف الضوء في المكان أو أن لونه الحقيقي قد تداخل معه وأمتزج به ألوان أخرى كثيره لا تدري من أين أصابته،وبالطبع بعض الشاي الجاف وكيس من السكر لا بد أن يتواجد بالجوار،ثم هناك ذلك الكرسي وسرير وقد وضعت عليه مجموعه من الأغطيه والملابس التي تكومت على بعضها ووضعت بإهمال على تلك الملأة التي ربما كانت بيضاء اللون في يوم ما .هذا فقط كل ما يمكن أن تقع عليه عيناك هنا،لا..انتظر..تلك الكومه المهمله تتحرك على السرير،إنها تتقلب ويصدر مع تقلبها صوت سُعال مرتفع والسرير يهتز مصدراً صوت صرير يكاد يتنافس مع صوت السعال أيهما يعلو الآخر ويتفوق عليه.تقترب من ذلك النائم لعلك ترى وجهه أفضل،ولكن ملامح البشره الداكنه لا تتضح مع ذلك الضوء الخافت،ثم ما تلبث أن تلمح العينان تبرقان فجأه وتنظران في كسل إلى الحائط المواجه ويبدأ في التقلب والسعال مرة أخرى ثم يهم بالنهوض وما زال السرير يصاحبه بسمفونية الصرير المنفرد أحياناً،وأحياناً أخرى بالأشتراك مع كونشرتو السعال والتثاؤب،وصوت العظام تُطرقع وهو يشد من جسده ويتمطع ليطرد عنه الكسل.
يتجه بخطوات بطيئه للنافذه ليفتحها فيدخل الضوء غازياً الغرفه .الآن نستطيع أن نرى أفضل تلك الحوائط العاريه الرمادية اللون والتي تقشر عنها بعض "المونه" في بعض أجزائها ليطالعنا الطوب الذي كان أحمراً يوماً ما والآن لونه يقترب من لون ذلك الحائط.ما زال "عم رزق" يتثائب وهو يمسك بالبراد بيده متجهاً لخارج الحجره ولكنه قبل أن يخرج من الباب يعود وكأنه تذكر شيئاً ما يتجه إلى السرير ثم يجثو على ركبته ويرفع الملأة ويصيح بصوته العالي المبحوح وهو يهز تلك الكتلة السوداء الملقاة على الأرض:أصحى،أصحى يابني النهار طلع
ثم يبدو أن صبره لا يحتمل أكثر من تلك الثواني فيعود رافعاً صوته بنبره أعلى ويشتد أهتزازه لذلك الذي اتضح أنه شخص نائم أسفل سريره:
- ما تجوم بجى،هو أنا هأجعد أصحي فيك طول اليوم ولا أيه،ما وراناش غيرك إياه ..
ولكن لا يوجد أي رد فعل من ذلك الشخص،تلك الكتله السوداء تبدو كأنها متجمده في مكانها لا تستجيب لأي شئ،ولكن "عم رزق" لا ييأس،يعود ليصرخ هذه المرة وهو يضرب النائم بقبضته في كتفه:
- ما تغلبنيش أُمال،يا دي الشغلانه كل يوم،جوم يا أبني وخلصني.
وهنا فقط يبدو أن ذلك النائم قد صعُب عليه حال "عم رزق "وفقده لصبره وصوته المبحوح الذي تشك أنه سيفقده إذا صرخ أكثر من ذلك فتبدو منه حركه بسيطه تعطي بعض الأمل على الأقل أنه ما زال في عالمنا ولم يغادره بعد،عندها نهض "عم رزق" وأتجه للخارج بعد أن جذب جلبابه الملقى بجوار السرير وكان يغمغم بكلمات تبدو كلعنات يصبها على رأس ذلك المتقوقع أسفل السرير.يعود الهدوء للحجره من جديد ولكنه فقط ثواني يبدأ بعدها صوت السرير يعلو من جديد في صريره المزعج وذلك النائم يحاول إخراج نفسه من أسفله ويقف منتصباً وهو يضع يديه خلف ظهره وينثني إلى الخلف محاولاً إعطاء عظامه بعض النشاط بعد تلك النومه على الأرض الخشنه،وعلى الرغم من أن"عم رزق"كان يرتدي الجلباب إلا أن ذلك الأخر كان يرتدي قميصاً وبنطلوناً أسودين ويبدو أنه ينام بهما،يفرك عينيه بيديه ليزيل أثر النعاس ثم يتجه هو أيضاً للخارج.
في الخارج الأرض فضاء محاطه بسورٍ عالٍ وتحدها العمارات السكنيه من كل إتجاه فيما عدا ذلك الحائط المطل على الشارع وبه تلك البوابه السوداء الكبيره.أتجه "سالم"نحو "عم رزق"الذي انحنى على صنبور المياه يغسل رأسه ووجهه قبل أن يملئ البراد لآخره بالماء
- صباح الخير يا آبى...
- صباح الخير...
يضع"سالم"رأسه كله أسفل الصنبور ويترك الماء البارد يسقط على وجهه وشعره...
- تجيلك النازله يا وله...انت ما بتحرمش...
ولكن "سالم" يظل واضعاً رأسه أسفل الصنبور وكأنه لا يهتم،ينظر له أبوه بغضب وغيظ ويعود أدراجه حاملاً البراد الى داخل الحجره ليصنع مشروبه اليومي المفضل،الشاي الحبر الثقيل سكر كثير.
انتهى "سالم"من غسل رأسه بالماء البارد ثم نظر حوله يبحث عن شئ يجفف فيه وجهه وشعره ...لم يجد...حرك رأسه بشده في كل الأتجاهات فأخذ الماء يتطاير من شعره المبلول ثم مسح وجهه في قميصه،وهكذا تصرف.أتجه إلى سيارة من تلك العديده التي تتخذ من هذه الأرض جراجاً لها ووقف أمام نافذتها وأخرج من جيبه ذلك المشط الأحمر وأخذ يصفف شعره بعنايه،إنه يشبه كثيراً أباه وخاصةً ذلك الشنب الكثيف أعلى فمه ولكنك لا بد أن تلاحظ من الوهله الأولى عندما تركز في حركاته وتصرفاته وقسمات وجهه التعبيريه أن هناك شيئاً في عقله،شئ غير طبيعي،ربما نوع من القصور الذهني ولكنك دوماً لن تستطيع أن تعرف فيما يفكر أو ماذا يحمل بداخل ذلك العقل،إنه دائماً يفاجأك،للحظات قد يبدو عادياً وفي أخرى تصدر عنه تلك الأفعال التي قد يمكن أن نتقبلها من أطفال أكثر ما يمكن أن نتقبلها من شخص قد وصل لمثل سنه ولكنه في كل الأحوال يحاول أن يكون بعيداً عن المشاكل،يرى ويسمع ويتأمل ولكن هذا لا يمنعه من الأتيان بأشياء بعيده عن العقل في لحظات..
كان قد انتهى من تصفيف شعره عندما اقترب منه "عم رزق"حاملاً صينيه صغيره عليها كوبين من الشاي وبعض الأرغفه وقطعة من الجبن الأبيض،جلسا على ذلك المقعد الخشبي وتناول"سالم"بعض اللقيمات الصغيره ثم التقط كوب الشاي يرتشف منه ويبدو وكأن لا شئ يشغله أكثر من شرب ذلك الكوب الآن..إنه يحتسيه على مهل رشفه رشفه وبعد كل رشفه يجلس متأملاً الكوب وما به من سائل ويمصمص شفتيه ويظل يبتلع في ريقه كأنه يريد أن يتأكد من إبتلاعه لكل الجرعه قبل أن يصب المزيد في فمه.
صوت شخص يدق بشده علىالباب الأسود الكبير وينادي بصوت عالي على"عم رزق" وعندها ظهرت تلك الكلاب الأربعه متجهه نحو الباب وهي تنبح.ترك"عم رزق"كوب الشاي واتجه مسرعاً ليفتح الباب،أما "سالم" فقد شدته الكلاب الأربعه أكثر الآن من كوب الشاي فتخلى قليلاًعن إستمتاعه بأرتشافه وتأمله لذلك السائل فيه وأخذ ينظر للكلاب الأربعه ويصفر لها لتأتي إليه ولكنها لم تهتم به وأخذت تلاحق ذلك الرجل الذي دخل من الباب بعد أن فتحه "عم رزق"ليركب سيارته..اسرع"عم رزق"بإزالة ذلك الغطاء عن السياره وطيه ثم وضعه في حقيبة السيارة التي فتحها صاحبها..وتبادل حديثاً قصيراً مع الرجل في تلك الأثناء حول الطقس البارد والشاي الساخن الذي يمنح بعض الطاقه ليبدأ اليوم ثم عزم على الرجل بكوب الشاي ولكنه شكره وانطلق بسيارته مسرعاً.
أغلق عم رزق الباب الأسود الكبير وعاد إلى كوبه ومازال "سالم"يرتشف شايه ثم يبدو أنه ملّ من تلك الرشفات فأفرغ الكوب بأكمله في فمه مرة واحدة وبشكل مفاجئ والقى الكوب في الصينيه ثم قام يبحث عن الكلاب التي اختفت بعد ذهاب الرجل..لا أحد يعرف ذلك السر الذي يربط بينه وبين تلك الكلاب الأربعه صديقته الوحيده في هذه الحياه ..ربما يرى فيها شيئاً إنه تقريباً يقضي جزء كبير من وقته يراقبها ويصفر لها ويجلس على مقربة منها يتابعها ويتأمل أفعالها ثم ما يلبث أن يشرد عنها أحياناً ويسبح بعيداً في عالم آخر لا أحد يدري ما به،ثم يعود ثانية ليتابعها .وعلى غير توقع كعادته يقوم فجأة ويسرع الخُطى متجهاً نحو تلك الشجره الكبيره في صدر المكان،يقف خلفها وينتظر وعينيه تنتقل بين نافذتين في عمارتين متقابلتين من تلك العمارات التي تحيط بالجراج ثم ما يلبث فمه أن ينفرج عن إبتسامه طفوليه وعيناه تبرقان وهو يشاهد إحدى النافذتين تفتح وتخرج منها تلك الفتاه تمسك بيديها كتاباً من الكتب الدراسيه وتظل تسير جيئةً وذهاباً في البلكونه تطالع الكتاب وتقلب صفحاته ..إنها شابه تبدو في أوائل العشرين من عمرها متوسطة الطول ومتوسطة الجمال،لا شئ بها يشد الأنتباه،مجرد فتاه تطالع كتاباً أو تذاكر شيئاً وتحاول أن تجد من الجو الساكن في ذلك الوقت من الصباح وتلك البقعه الخاليه من الناس والماره والضجيج ملاذاً لها للتركيز،ولكنه ظل يراقبها وهو يختلس من وقت لآخر النظر للنافذه المقابله . بعد قليل تفتح النافذه ويطلُ منها شاب طويل أسمر له شنب خفيف ويحمل في يديه إحدى تلك التليفونات المحموله،القى نظره على النافذه المقابله ثم أخذ يضغط أزرار التليفون .اختفت الفتاه داخل الغرفه،ربما هي تضايقت من وجود ذلك الشاب في النافذه المقابله وشعرت بمتابعته لها وهي تجئ وتذهب تطالع كتابها فشعرت أن تركيزها قد تشتت وقررت الدخول حتى يُنهي محادثته ويدخل إلى غرفته فتعود لتكمل عملها.وهذا فعلاً ما حدث،لقد دخل الشاب بعد أن أنهى المكالمه وبعد ثوانٍ قليله خرجت الفتاه إلى الشرفه لتكمل ما بدأته.مازال "سالم"يتابع ذلك المشهد وهو يبتسم تلك الإبتسامه وينظر بذلك التركيز .ربما تشعرفي داخلك أنه شخص فضولي غريب ذلك الذي يهتم بمتابعة هذا الموقف الذي لا يشير لأي شئ غير طبيعي،ولكنك إذا كنت في موقف "سالم"،إذا كان لديك الوقت الكبير من الفراغ لتتأمل كل ما حولك وتتابعه بإستمرار لوجدت أنه ربما يكون على حق فيما يفعل.فذلك المشهد الذي حدث الآن يحدث كل يوم وبنفس التكرار والتتابع والتوقيت،وقد أحس "سالم"بفطرته فقط وربما بعقله أن شيئاً غير طبيعي يحدث أو ربما هو فقط أتخذ من المسأله فرصه للفرجه والتسليه كل يوم كأنه يشاهد مسلسلاً أو فيلماً .لا أحد يستطيع أن يعلم ماذا يدور في رأس "سالم" ولكن هذا هو ما يفعله كل يوم،يظل يتابع هذا المشهد ويقف هكذا ربع ساعة كامله حتى تدخل الفتاه إلى الحجره عندها ينطلق إلى البوابه ويفتحها ويسرع الخطى ليقف على ناصية الشارع بجوار محل العصير وينتظر وهو يتابع بعينيه الطريق كأنه ينتظر حدثاً مهماً .وبعد قليل تظهر الفتاه على باب عمارتها وتسير متجهه خارج الشارع ويسير "سالم"خلفها .وقبل أن تقفز إلى أي استنتاجات شريره بشأن "سالم"يظهر ذلك الفتى الذي كان يتحدث في هاتفه ويتابع النافذه المجاوره،يظهر وينضم للفتاه ويسيران سوياً حتى يصلا إلى موقف السيارات .يظل "سالم"يتابعهما وهما يتحدثان ويضحكان حتى يأتي "السرفيس"فيركباه ويبتعدا.عندها وأيضاً فجأه دون أي مراحل انتقاليه في الأفعال وردودها تجد "سالم"قد فقد كل أهتمامه وتركيزه وإبتسامته وأنطلق عائداً إلى منزله،أقصد إلى الجراج.
كيف عرف "سالم"ما يربط بين الفتاه والفتى؟كيف توصل إلى خروجهما معاً ولقاءهما؟لن تستطيع أن تدري ولكنه عرف بطريقة ما وظل يتابعهما كل يوم كأنه يتابع فيلماً قصيراً أو روايه ممثله على خشبة مسرح الحياه تتكرر بكل شخوصها وأحداثها كل يوم وهو المتفرج الوحيد الذي يشاهدها مجاناً .
يعود "سالم"للجراج ويراه "عم رزق" يدخل من البوابه السوداء الكبيره فيصيح فيه بأعلى صوته المبحوح :كنت فين يا وله..هو أنت كل يوم تغطس كده ..بتروح فين نفسي أعرف؟!...
يجيبه سالم بأشارات من يديه في كل أتجاه لا تعرف بالضبط إلى ماذا تهدف أو تشير وبعض الكلمات المتلعثمه الحروف تخرج من فمه بصوتٍ عالٍ يحاكي صوت والده وإن إختفت منه البحه المميزه لعم رزق :هو أنا ما أعرفش أخرج شويه من السجن ده..هو حرام يعني ولا أيه
- سجن ..طيب يا فالح أخرج زي ما أنت عايز بس خلص الشغل اللي وراك قبله..
يتجه سالم إلى الحجره وهو يبرطم بكلمات غير مفهومة ومازالت يداه تتحرك بعصبيه في كل أتجاه لا تدري أين تستقر كأنها تترجم ما بداخله من شعور لا يستطيع عقله أن ينقله كلمات تخرج على لسانه تعبر عن ما بداخله.
بدل سالم ملابسه بأخرى ملقاه على أرض الحجره يبدو أنه يخصصها فقط للعمل وتبدو من حالتها أنها قد أستهلكت لمدة قرن من الزمان أو يزيد .أتجه إلى صنبور الماء في الخارج ومعه جردل من الألومنيوم وملئه بالماء ووضع فيه بعض المساحيق ثم أمسك بقطعة أسفنج في يده ورمى بفوطه صفراء على كتفه وحمل الجردل وأتجه للعربات الواقفه في الجراج ليغسلها وينظفها قبل أن يأتي أصحابها لأستلامها .كان هذا هو عالم "سالم"اليومي والذي بدأه منذ خمسة سنوات كامله،كان أبوه يعمل حارساً على هذا الجراج منذ عشر سنوات وكان "سالم"مازال في بلدته في الصعيد يساعد أعمامه في زراعة القراريط البسيطه التي يملكونها .لم يدخل مدرسه أو يتعلم أي حرفه أخرى فقدراته العقليه المحدوده منذ صغره لم تشجع أهله على أي شئ تجاهه سوى إطعامه وإعطائه بعض الأعمال الصغيره التي لا تشكل أي خطر عليه ولكن "سالم"لم يكن يقنع بذلك،كان دائماً كغيره من الأطفال يحاول اكتشاف الجديد وكان يحمل شقاوه وطاقه يريد اخراجها ولا تكفيه تلك الأعمال الصغيره البسيطه في اشباع رغباته تلك كغيره من الأطفال فكان كثيراً ما يحاول الإتيان بأشياء تكون مصيبه في نظر الكبار من حوله ويقيمون الدنيا ويقعدونها ويعملون أكثر على حبس الصبي ومنعه من الخروج حتى لا يضر بنفسه أو بأحد .وقد حدث ذات يوم أنه تسلل من المنزل واتجه للساقيه حيث كان يعشق الجلوس عندها ساعات طويله يرسم على الأرض الطينيه الخصبه بعود من أعواد الشجر ويدندن بلحن قادم من أعماق نفسه هو،تارة يعلو به أو ينخفض وتارة يتوقف عن الغناء والرسم ويأخذ يحدق في لا شئ كأنه يعيش في حلم هو وحده الذي يراه ويرى شخوصه .ثم ما يلبث أن يعود لعالمنا وتعود معه الدندنه والرسم .في ذلك اليوم توقف عن الرسم وأخذ يتأمل الساقيه ودورانها كان يراها وهي تدور وتلك المدرجات فيها تمتلئ بالماء ثم تلقي بما تحمله في ذلك المجرى الصغير الذي ينطلق في الأرض الخصبه ليرويها .لا ندري بماذا فكر "سالم"في تلك اللحظه أو ما سبب تلك الفكره المجنونه التي راودته .لقد قرر أن يضع نفسه في إحدى تلك المدرجات ليدور مع الساقيه وبالفعل تسلق شجره ضخمه ومشى على غصنها القوي الذي يعلو الساقيه ثم ألقى بنفسه فوقها وأمسك بها جيداً وهي تدور وتتجه نحو المياه .غطس "سالم"مع الساقيه الدائره أسفل سطح الماء وهو مازال متشبثاً بها ثم عاد ليخرج للسطح ويدور معها دورتها الكامله ليغطس معها وهكذا .ظل على هذا الحال حتى شاهده فلاح من الفلاحين العاملين بالأرض،صرخ في أصحابه وأتجهوا للساقيه لإنقاذ "سالم".ظل "سالم"يصرخ وهو مازال متشبثاً بها بعد أن أوقفها الفلاحون عن الدوران ويرفض الأستسلام لأيديهم التي تريد ابعاده عنها وهم يظنون الفتى خائفاً مذعوراً من تلك التجربه لا يدرون أنه فرحاً بها يريد تكرارها وأستطاعوا في النهايه إنزال الفتى وأعاده أحد الفلاحين بصعوبه لبيته حيث أحتضنته أمه المسكينه وظلت تبكي على حظها وحظ ولدها .وهكذا ما كان يمر يوم وتغفل عنه تلك الأم إلا و"سالم"ينتهز الفرصه ليفعل شيئاً ما حتى مرت السنين وأصبح رجلاً كبيراً .حاولت أمه أن تزوجه من إحدى فتيات البلده حيث أوهمها أحد الدجالين بأن حاله سينصلح على يد فتاه جميله تتزوجه ولكن للأسف باءت كل محاولاتها بالفشل حتى قدم إلى البلده في إحدى الأيام رجل غريب مسكين ومعه ابنتيه اليتيمتين من الأم يطلب عملاً .أستأجره أحد الفلاحين في حقله وهكذا استقر الرجل في البلده هو وبناته،وانتهزتها الأم فرصه لتحاول تزويج احدى البنتين لإبنها على جهل من العروس وأبيها بحاله،واستعانت بالأب والأعمام في هذه الحيله بعد أن أقنعتهم بـأن صلاح الفتى سيكون في الزواج وبالفعل أثّر الأب والأعمام على الرجل المسكين الذي هلل فرحاً لأن إحدى ابنتيه ستتزوج ويرفع عن كاهله حملها .لم يكن يدري ما سيلقي بـابنته إليه ولم ينبهه أحد من البلده فلم يهتم أحد لأمر رجل غريب عنهم .وفي الليله الموعوده أكتشفت الفتاه أن زوجها"سالم"به شئ غير طبيعي، ولم يكتمل الزواج بليله أخرى،ففي الصباح تركت الفتاه بيتها وهرعت إلى أبيها وظلت تبكي له وهي غير قادره على وصف فجيعتها في الرجل الذي ظنت هي وأبيها أنه سيخلصها من همها وفقرها ويقدر لها حياه كريمه سعيده .شاع الأمر في البلده الصغيره وانتهى بطلاق الفتاه وتركها للبلده مع أبيها وأختها .لم يطق "عم رزق"المكوث في البلده بعد ذلك الحدث،لم يعد يطيق أبنه وما يصيبه منه من مشاكل وفضائح وقرر الهجره إلى مصر،طبعاً هو يعيش في مصر وليس محتاجاً للهجره إليها ولكن هذا هو الأحساس والتعبيرالذي يصف به أهل القريه والبلدان الصغيره تركهم لبلدهم وأتجاههم للقاهره للحياه فيها .إنه يهاجر لمصر ويقصد اللاعوده .ونفذ "عم رزق"كلامه وذهب بلا عوده،ولكن بعد خمسة أعوام لحق به "سالم"،جاء به أحد أعمامه وتركه لأبيه قائلاً أنهم لم يعودوا يستطيعون تحمله بعد اليوم وهو رجلاً ولا بد له من الأعتماد على نفسه،فليجد له أبوه عملاً يكتسب منه ويبعده عن المشاكل .وهكذا بدأت حياة "سالم"مع أبيه في مصر -أقصد القاهره-يعمل في هذا الجراج في مسح وتنظيف عرباته كل يوم وهذا كان يشغله معظم النهار فما أن ينتصف اليوم حتى يقبل عليه "عم رزق"بطبق من الفول وبعض الفلافل الساخنه وعيش طري ويجلسان للغداء وبعدها ينطلق "سالم"لعالمه الخاص .يجلس تحت إحدى الأشجار في الفناء الواسع ويمسك في يديه بإحدى الأعواد الملقاه ويأخذ في الرسم على الرمال ويدندن تلك الموسيقى الخاصه التي تعودها منذ أن كان طفلاً .ثم يتوقف عن الرسم ويسرح بخياله بعيداً لا ندري هل يعود بذاكرته إلى تلك الأيام في بلدته وهو طفل أم أنه ينطلق بها في المستقبل يبحث عن مكانٍ له فيه أم أنه فقط يغيب عن واقعنا دون أن ينشغل باله بشئ معين .ما يلبث أن يعود للرسم والدندنه ثم من بعيد يلمح الكلاب الأربعه تلهو مع بعضها البعض وتتقافذ فوق بعضها وتنبح ثم تجري هنا وهناك فيظل يتابعها وإبتسامه ترتسم على شفتيه بين لحظه وأخرى وقد تتحول إلى قهقهه إذا فعل أحد الكلاب شئ يظن هو أنه يستحق الضحك الكثير .
قبل حلول المساء يخرج"سالم"ليتجول في الشوارع .يسير على قدميه مسافات طويله،يتأمل كل ما حوله،ينحرف يميناً ويساراً ويبتعد ويبتعد لكنه في النهايه يعود إلى بيته،إلى الجراج دون أن يفقد طريقه أو يتوه عنه،وفي عقله ماذا يدور ...لا تدري.إنك تشعر فقط أنه يتأمل كل ما حوله ومن حوله كأنه يدرسهم أو كأنه يتفرج عليهم .أبطال في روايه يشاهدها من خلف عدسات عينه ويترجمها كما يريد وقد تهديه الفطره إلى حقيقة ما في داخل الأشياء والناس وقد لا.ولكن من يهتم،إنه فقط يتسلى،هذا هو عالمه الخاص.....عالم "سالم"الذي يعيش فيه منذ الصباح حتى المساء،ثم يعود للنوم أسفل ذلك السرير في تلك الحجره في ذلك الجراج من ذلك الحي في تلك المدينه الكبيره المسماه القاهره.
ولإن سنة الحياه أن لا شئ ثابت فيها وأن الكل متغير فقد جاء يوم مختلف،يوم أستيقظ فيه "عم رزق"ليجد "سالم"قد أختفى ..ليس أسفل السرير وليس في الجراج وليس في الحي كله والباب الأسود الكبير مفتوح على مصرعيه .أين "سالم"....لا أحد يدري .ظل الجميع يتسأل حتى الكلاب الأربعه كانت تدور حول مكانه المفضل عند الشجره وهي كأنها تسأل نفسها اين ذهب "سالم".ولكن "سالم" اختفى،لم يكن له وجود،ولم يدري "عم رزق"ماذا يفعل ولكنه اكتشف شيئاً ربما لم يكن قد أكتشفه من قبل،إنه يحب "سالم"،يحبه فعلاً ويخاف عليه ويشتاقه.لقد ظن أنه يكرهه بسبب حاله الغير طبيعي ولكنه الآن أكتشف حبه له،الآن فقط بعد أن أختفى "سالم".أين هو؟ لا أحد يدري .ومرت الأيام والشهور ولا أثر ل"سالم".وفي إحدى الأيام بعد ما يقرب من عام سمع "عم رزق"دقات رقيقه على الباب الأسود الكبير.لم يكن يعتاد على هذه الدقات الرقيقه حتى أنه ظنه الهواء يضرب الباب فيحدث صوتاً كالطرق فهو دائماً معتاد على الطرقات الغليظه المتسرعه التي تهم بكسر الباب لتلحق يومها......ولكن الطرقات تكررت فاتجه "عم رزق"للباب يفتحه ووجد أمامه فتاة البلكونه تبتسم.عرفها من كثرة ما رآها تدرس في بلكونتها وإن لم يعرف تلك العلاقة بينها وبين ابن الجيران كما عرفها "سالم".نظر لها متعجباً فهي لا تملك عربة في ذلك الجراج أو أي من أهلها .كانت تمسك بمجلة مصورة في يدها،قالت له وهي تبتسم:متهيئ ليه أني عرفت ابنك "سالم"فين يا "عم رزق".
فتحت المجلة وهي تعطيها إياه وتقول:مش هيه دي صورته؟!!!!
طالع "عم رزق"المجلة،نعم كانت صورة"سالم"ولكنه كان مختلفاً في بذلته الأنيقه تلك وشعره المرتب ووجهه الحليق..قالت الفتاه:المجلة بتقول أنه حصل على جايزه الأبداع في الرسم من إحدى المؤسسات الخيريه..مكتوب إسم المؤسسه وعنوانها ...ممكن نسأل عنه هناك.
لم يفهم "عم رزق"شيئاً مما قالته ولكن كل ما فهمه أنه أخيراً سيستطيع الوصول لابنه،وبالفعل وصل "عم رزق"لابنه ورآه.كان "سالم"جالساً ليرسم،معه الألوان والفرشاه وأمامه اللوحه البيضاء قد أمتلأت عن أخرها بباب أسود كبير ولكنه كان مفتوح عن آخره........وقفله مكسور............
كتبت لأول مرة في مارس 2001
Posted by شيرين رضا at ٩:٠٥ م 0 comments
Labels: قصة قصيرة
إحساس شتاء
الحجرة بسيطةٌ وأنيقةٌ يشع من أحد أركانها ذلك الضوء الخافت محاولاً أن يغزو الظلام من حوله.
تجلس هي وزوجها بالقرب من ذلك الضوء.
هي تشد ذلك الشال الصوفي حول كتفيها بإحكام وتحاول أن تقترب في جلستها من تلك المدفئة الصغيرة بالقرب منهما تلتمس المزيد من الدفء.
هو يجلس ليس ببعيدٍ ولا قريبٍ منها يطالع ذلك الكتاب في يديه،يرتدي الروب الصوفي الأزرق ويلف الكوفية السوداء بإحكام حول رقبته ويضع "بونيه" لها على رأسه .
بالخارج الطبيعة ترعد وتقصف وتزمجر،الأمطار تدق بعنف على النافذة،البرق يلمع بين الحين والآخر فيضيئ أشباح الليل في ومضة خافتة وتتراقص معه الأشكال وصوت الرعد يدوي كدقات طبول الحرب فيثيران في النفس لذة الخوف والبرد والبحث عن الدفء وسط البرودة القارسة،البحث عن الأمن وسط أهوال الطبيعة المزمجرة ،البحث بداخل النفس عن النفس...عن الحياة..عن الوجود...عن المشاعر التي تجمدت كما تتجمد كل الأشياء وتفقد بريقها ودفئها وسط برد الشتاء .
تنظر لزوجها،مازال منهمكاً في ذلك الكتاب ،يجلس صامتاً قابعاً في ذلك العالم الذي خلقته له السطور...
- هل تريد شيئاً ساخناً؟
لا يرد...تعيد السؤال ويرد عليها بصمته .تتحرك نحوه ،تهزه بيدها ،ينظر إليها بضيق:هل تريد شيئاً ساخناً؟.يجيب بإهتزازة من رأسه ...لا.
يعود إلى سطور كتابه،إلى عالمه ،يطردها خارج الحدود،خارج حدود نفسه وخياله وعقله.تظل واقفة أمامه تتأمله،تتأمل ملامحه،قسمات ذلك الوجه الذي هامت به يوماً وملئها حباً.
شعرت برعدة تعتريها فشدت الشال الصوفي أكثر حول كتفيها واتجهت إلى النافذة .أخذت تنظر لتلك المعركة في الخارج....تمر أمامها لقطات سريعة فتأخذها حيناً من ذلك المشهد ،من تلك البرودة ،ومن ذلك الظلام وتقفذ بها إلى إحساس قديم بعيد،إلى دفء ونور يشع من داخلها .
تنظر إليه ،يعطيها ظهره ،النور الخافت يرسم ظله الضخم على الحائط بجواره.
تذكرت كلماتهما معاً في يوم كان:
- أحب الشتاء...
تضحك
- لماذا تضحكين؟!!
- أنا أيضاً أحبه
- أحب هدوءه...ثورته
- أحب الغيوم في سماءه،مهما حاولت أن تحجب الشمس خلفها فهي ما تلبث أن تنقشع لتطلع علينا الشمس بدفئها اللذيذ.
-أحب الأمطار
- أنا أيضاً....هل تعلم،أشعر عندما تمطر كأن العالم كله قد توحد في شعور خالص،كأن العالم كله يبكي.
- إنها الدموع الوحيدة في العالم كله التي تشعرنا بالسعادة
- نعم إنها الدموع الوحيدة في العالم التي تشعرنا بالسعادة.
تفيق من ذكرياتها على صوت الرعد الهادر،ما زال يطالع كتابه في هدوء وصمت.
تنظر للخارج،إن العالم مازال يبكي ولكن دموعه ما عادت تشعرها بالسعادة بل هو شعور غريب كأنها على هامش الحياة لا تشعر بما فيها وكأنها على هامش نفسها لا تشعر بما فيها ،أم أنه لم يعد شيء فيها؟!!ضاع ما بداخلها،تجمد،جمدته برودة الشتاء.
تنظر إليه...(هل تأتي أيها الربيع يوماً؟.هل تذوب أيها الثلج ؟هل تتدفقي أيتها المشاعر أنهاراً وبحاراً كما كنتي..آه..كما كنتي...كنتي ربيعاً دائماً وسط الشتاء،كنتي مرحاً وانطلاقاً وعدواً ودفءً وروحاً وحياة.كنتي...آه من هذه الكلمة.متى تصبح هذه الكلمة وكأنها ما كانت)
أتجهت إليه ،جلست بجوار كرسيه،وضعت يدها على يده الممدودة.لم ينتبه إليها،ظل في عالمه كأنه مسحور ومجذوب إلى ذلك الكتاب بطلسم خفي.كيف تفك هذا الطلسم؟.تشعر بإحساس داخلها يعصر قلبها،دموع صغيرة تتجمع ولكنها ترفض الإفصاح عن نفسها،تفضل أن تظل مختبئة بين حنايا عينها .كثيراً ما مرت بها هذه اللحظة.تود أن تصرخ بقلبها، بعقلها، بدموعها، بنفسها.تصرخ بحياتها وروحها وذلك الجالس أمامها لا يشعر بما يعتمل في صدرها.
الطبيبعة بالخارج تصرخ،تبكي،تشتعل لتخرج ما في جوفها، ولكنها هي لا تستطيع.
تخاف ؟!...ربما.مما تخاف؟...منه؟...ولم تخاف منه؟....من رد فعله علي سخطها وغضبها وصراخها .وكيف سيكون رد فعله؟....سيصرخ هو الآخر...يغضب ....يثور....إنها تتمنى لو يفعل...
فجأة عصف الرعد بشدة وومض البرق بقوة والأمطار صوتها كطلقات الرصاص تصيب النافذة كأنها تريد خرقها،وفجأة خطفت الكتاب من يده......
نظر إليها بدهشة وغضب،مد إليها يده وعيناه تأمرها بإعادة الكتاب.
لا....قالتها دون أن تنطق،قالتها بخطواتها المتراجعة للخلف وهي تمسك بالكتاب وفي عينها اصرار على شيء ما .
مازال يمد يده إليها وعيناه تأمرها بإعادة الكتاب وهي مازالت تتراجع للوراء وفي عينيها"لا"تتردد بإصرار.أصبحت بجوار المدفأة ،توقفت عن التراجع،ظلت العيون تنظر بلا كلام.يده ممدودة ، وهي تمسك بالكتاب .
ألقت بالكتاب في المدفأة ،أمتدت ألسنة النيران لتلتهم صفحاته وأوراقه وسطوره كأنها أرادت أن تلتهم النيران عالمه الذي يبعده عنها .هب واقفاً وهو ينظر إلى الكتاب الملقى في أحضان ألسنة اللهب. نظر إليها وفي عينه نظرات الغضب والدهشة تتراقص مع شرارات النيران وصوت الرعد الهادر يزداد والأمطار تدق بعنف كطلقات الرصاص على النافذة كأنها تريد أختراقها.
ظلا واقفين ينظران إلى بعضهما ،هي ترتعد من داخلها وهي تتوقع في كل لحظة انطلاقة ثورته عليها وتحاول أن يظل مظهرها جامداً متحدياً وهو يحمل بداخله من الدهشة أكثر ما يحمل من الغضب .......لا يفهم ما فعلت!!!!!.....
نظر إليها.....الضوء الخافت ونيران اللهب تضئ ملامحها بصعوبة،ألسنة اللهب المتراقصة تضئ عينها حيناً وتحجب عنها الضوء حيناً أخرى.لا يكاد يدرك ما تحمله بين حناياها ،لا يكاد يرى الدموع الصغيرة المختبئة ،لا يكاد يقرأ سطورها أو يفهم معانيها .هي تنتظر منه أن يفعل شيئاً وهو لا يتحرك ......لا يستطيع قراءتها كما كان يقرأ كتابه،لا يستطيع الأنطلاق في عالمها كما كان منطلقاً في عالم سطور كتابه.
ازداد الغضب والثورة بداخلها،طبيعتها تتجاوب مع الطبيعة في الخارج تحمل بداخلها رغبة عارمة في الثورة على ما يحدث .اتجهت في خطوات سريعة إلى المكتبة ،أخذت تلقي بكل كتبها أرضاً .يقف ينظر إليها،لا يحاول الأقتراب.نظرت إليه،دموعها المختبأة تتزايد وتعصر قلبها بقوة.امسكت بالكتب تحاول تمزيقها وهي تصرخ بقوة...تصرخ وتصرخ وهي تمزق الصفحات .انطلق إليها يحاول أن يمنعها من الأستمرار في ما تفعل.
يظن أنها قد جنت......مازالت تصرخ وتدفعه بيدها وتصر على تمزيق كل ورقة كأنهاتمزق كل ما تكرهه في حياتها ،كأنها تضربه وتضربه وتضربه.
تمزق الورق وتصرخ ودموعها تندمج مع الأمطار الهادرة وصراخها يتداخل مع صوت الرعد وألسنة اللهب تهتز وتتراقص وتزداد التهاباً وهو يحاول بكل جهده أن يمنعها من هدم عالمه.
بداخله الغضب بدأ يزيد عن الدهشة،بدأ يتكلم بهدوء محاولاً السيطرة عليها ،تزداد عاصفتها ،أمطار عينيها ورعد صرخاتها والصفحات الممزقة تتطاير بين أصابعها ،وأصابعه تتداخل معها محاولة لملمة الصفحات الممزقة .
الأمطار ما تزال تحاول أن تخترق النافذة وصرخاتها تخترق أذنه ،وأصابعه المتداخلة مع يدها تتلقى هجوماً من أظافرها .
يبدأ صوته يعلو ونبراته تزداد حدة وألسنة اللهب تتراقص والصراخ يزيد والرعد يتجاوب معه وصوته يعلو ويعلو وغضبه يتزايد ويتزايد وصوته يعلو حتى أصبح صراخاً.عينه تلتقط في رعب وغضب منظر أصابعها وهي تمزق أوراقه وكتبه،أفضلها وأحسنها وأقربها إليه.أظافرها تخترق يده وأصابعه وهو يحاول منعها .صراخه يعلو حتى غطى على صراخها،إنه لا يحتمل،لا يستطيع إحتمال كل ذلك،يجب أن تنتهي هذه المهزلة ...هذا الجنون.
هب واقفاً وهو يصرخ فيها:كفى.
إنها لا تكف بل تزداد إصراراً على ما تفعل .يكرر:كفى.
ولكنها لا تستجيب .يشدها من ذراعها بقوة ،يجعلها تقف،يصرخ فيها وترد عليه بصراخها.
لا يدري إلا وأصابع كفه المجروحه ترتفع في الهواء لتهوي على وجهها:كفى...كفى....كفى.
تفتح النافذة في عنف على مصرعها ،الأمطار تنهمر بعنف داخل المكان ويندفع معها الهواء البارد بشدة فيطفأ نيران المدفأة .تتطاير الأوراق الممزقة في كل مكان بالغرفة.
توقف عن الصراخ.....تركها وأتجه إلى كرسيه،سقط عليه ووضع رأسه بين يديه.
صوت صراخها وبكاءها توقف إلا من نهنهات مخنوقة ،ظلت واقفة في مكانها،دموعها تنزل بصمت على وجهها والبرد يرعشها
- لماذا فعلت ذلك؟
جاء صوته خافتاً حزيناً ،أجابته بصوت خنقته الصرخات والدموع:
- لأجعلك تفعل ما فعلت.
هب واقفاً وهو يستدير إليها بحدة:
- لأضربك...لأصرخ فيك؟!!!أنت مجنونة.
- بل أنا أحبك.أحب حياتنا معاً وأن نكون معاً حتى وإن ضربتني أو صرخت فيّ فهذا أفضل من أن تظل تتجاهلني وتتجاهل وجودنا معاً في حياة واحدة وبيت واحد .
أحست بأن قواها لا تستطيع حملها أكثر من ذلك فتهالكت على الأرض وسط الكتب المبعثرة والأوراق المنثورة.أسقطت رأسها على صدرها وهي تكمل بصوت ضعيف:لقد تعبت من إحساس الوحدة،من وجودي على هامش حياتك ووجودك خارج حياتي .أنا أكره هذا الأحساس.أريدنا كما كنا.هل تذكر كيف كنا؟هل تتخيل أنه أصبح مجرد ذكرى وأن كنا هي الكلمة الوحيدة التي نستخدمها لتعبر عن هذه الذكرى.
- أأنا السبب؟!!
- لا يهم من السبب ،لا يهم ما السبب.المهم أن لا يستمر ذلك.أريد أن يذوب الثلج.أردت أن أشعل فيه النار ليذوب وتعود حياتنا .
ألتقطت أنفاسها المقطوعة ومسحت دموعها المبعثرة وهي تقول بضعف حازم: أريدها أن تعود .
- كان من الممكن أن نتناقش.لم يكن هناك داعٍ لهذه العاصفة
- هل كنت ستشعر بي لولا هذه العاصفة؟
نظر إلى عينها التي أجهدتها الدموع .لا يدري إجابة السؤال.شعر أن هناك شئ مفقود،حلقة ناقصة .يحاول أن يفكر بعقله ليبحث عنها ويجدها.
صوت العاصفة بالخارج بدأ يخفت لكن الهواء البارد ما زال يتسلل من النافذة المفتوحة .اتجه إلى النافذة وأغلقها ثم شد الكوفية أكثر حول رقبته وأحكم الروب الصوفي حوله.نظر إليها .كانت ترتعش .فكر:هل ترتعش من البرد ومن العاصفة أم من ثورتها.
نظرت إليه وهو يغلق النافذة ويحكم روبه وكوفيته .لم تفكر وإنما قامت لتشعل المدفأة المطفأة . جلس بالقرب منها يلتمسان الدفء .
هو يفكر وهي تنتظر.
العاصفة بالخارج توقفت،الطبيعة اعلنت نهاية ثورتها ولكن إحساس الشتاء مازال قائماً .
مازال هو يفكر في إجابة كل الأسئلة وهي تنتظر وربما تعلن عن ثورة أخرى قريباً عندما تثور الطبيعة مرة أخرى على هذا الشتاء.
كتبت أول مرة في شتاء 2000
Posted by شيرين رضا at ٨:٢٦ م 0 comments
Labels: قصة قصيرة
الحلم الحياة
(1)
استيقظت من نومها كعادتها كل يومٍ باكراً .
العالم من حولها خالٍ إلا من عرائسها الصغيرة في كل مكان،تمر عليها كلها واحدةً واحدةً ،تلقي عليها تحية الصباح .
تتخيل أحاديث تدور بينها وبينهم.
بعد الأفطار ترتدي ملابسها وتودعهم ثم تذهب لعملها.في سيارتها تفتح المسجل وتبدأ تحلم بصوت مسموع والمسجل يسجل صوتها.
تتخيل أشخاصاً حولها تحدثهم،مشكلة مرت بها في العمل تحاول إيجاد حلٍ لها عن طريق الحلم اليقظة.تتخيل أنها تحدث زملائها ،مديرها،تناقشهم وتعرض رأيها وتسمع آرائهم .والغريب أنها دائماً ما كانت تصل لحل مشكلتها بهذا الشكل فهي تعيد سماع صوتها في المسجل مراراً ،تعدل مرة في الحوار أو تغيره تماماً أو تضيف إليه حتى تصل لحلول وما إن تصل لعملها حتى تبادر الجميع بالحل الذي ينهي كل شئ بهدوء .
(2)
في عملها هي دائماً مبتسمة،لا تختفي الإبتسامة عن وجهها طوال النهار وكأنها جزء من وجهها خلقت بها.لا تتحدث كثيراًولكنها تظل تحلم مع نفسها.تحلم بأشياءكثيرة تريدها وتتمناها،بأشخاص وأماكن،تسرح أحياناً كثيرة في أحلامها ولكنها سرعان ما تنتبه لواقعها بتنبيه من أحد زملاءها اللذين تعودوا معها هذا التصرف ولكن لا أحد منهم يستطيع أن يقول أنه مُستاءٌ منه فقد كانت تؤدي عملها على أكمل وجه وكان هذا ما يحيرهم...كيف تفعل ذلك؟!!.
(3)
في منتصف النهار تبدأ فترة الراحة .
تنزل تسير في الشارع حتى تصل لمحل صغير يقدم وجبات خفيفة.
طوال سيرها تظل تنظر للناس والأطفال مبتسمة.قد تقف أحياناً تتابع بعينها وإبتسامتها بعض الأطفال يلعبون أويتشاجرون أو يتحدثون أو يضحكون.ثم ما تلبث أن تكمل سيرها حتى تصل للمطعم.
تجلس في مكانها المعتاد الذي لم تغيره منذ أول مرة جلست فيه.الكل من رواد المكان يعرف ذلك ويحرصون على أن يتركوه لها خالياً خاصة بعد تلك المشكلة التي حدثت عندما حضرت ذات يوم لتجد شخصاً يجلس في مكانها.الكل لا يدري ماذا أصابها ولكنها كانت مختلفة .كانت عصبية ومهتاجة وتكاد تبكي.تعجب الجميع لحالها وظنوا أنها غير طبيعية وقررالرجل الجالس أن يترك لها المكان وما إن فعل حتى عادت لطبيعتها كأن شيئاً لم يكن.الكل من يومها يتجنبها في ذلك المكان إلا شخصاً واحداً ،عاملاً صغيراً لا يتجاوز عمره الثانية عشرة يعمل هناك.كان هو دائماً من يحاول الأقتراب منها وتلبية طلباتها وكانت هي سعيدة به جداً تحدثه وتضحك معه وتحضر له معها في بعض الأحيان هدايا صغيرة.
في هذا اليوم عندما جلست في مكانها المعتاد انتظرت طويلاً أن يأتي صديقها ليسألها ماذا تريد ولكنه لم يأتي.أخذتها أحلام اليقظة كعادتها ،تتخيل ما يمكن أن يكون قد حدث له ومنعه من الحضور .كل أحلامها لم تقفز بها لأي أخطار بل كانت كلها بسيطة هادئة.طال إنتظارها حتى أقترب منها صاحب المكان.قال بتردد:إنه مريض.
نظرت إليه وكأنها لا تفهم الكلمة أو كأنها لم تسمعها قبلاً:مريض؟!!!!
أعطاها العنوان.عادت للعمل وظلت أحلامها مركزة على ذلك الصبي ومرضه. لاحظ الجميع أن إبتسامتها قد اختفت وأن قلقاً بدأ يظهر على وجهها.
( 4)
بعد العمل اتجهت مباشرة للعنوان وما زالت أحلامها ترافقها ولكنها أيضاً لم تصل بها لحد خطير.
عندما وصلت علمت بالحقيقة:مرض خطير ،حياة قد تنتهي بلا أمل.
ولكنها كانت في عالم آخر.
كل ما فهمته أنها قد لا تراه مرة أخرى.أصابها ذلك بخوف ورعب شديدين .لقد إعتادت رؤيته كل يوم.كيف لن تراه ثانية؟.كان هذا كل ما يشغلها وما زالت أحلامها ترافقها تتخيل ماذا سيكون حالها عندما يختفي من عالمها .
(5)
عادت لمنزلها .
كل العرائس ما زالت في مكانها كما هي.القت عليها نظرات سريعة .تخيلت:ماذا سيحدث يوماً لو أختفت كلها من حياتها؟ .لا، لن تختفي فهي ستظل دائماً هنا،هكذا قالت لنفسها ثم تساءلت:ولماذا لا يظل هو أيضاً هناك في مكانه المعتاد كهذه الدمى؟.
أجابت على نفسها:لأنه ليس مثلها.
عادت تسأل:لماذا لا يكون مثلها؟لماذا لا يكون كل شئ مثلها؟ نتركه ونعود فنجده.هذا يعطي أماناً أكثر فلا مجال لفقدنا أي شئ هكذا.
أجابت نفسها:ولكنه ليس شيئاً.إنه شخص،والأشخاص ليسوا ثابتين .هم متغيرون، يذهبون ويأتون وقد يختفون للأبد.
- ولكنني أكره ذلك.
- هذا هو الواقع.
-اكره الواقع.سأعود لعالمي.
نامت ،والغريب أنها لم تحلم حلماً واحداً في نومها ولم تفعل طوال عمرها،لم تحلم أبداً وهي نائمة.
(6)
علمت أنه مات.
ظلت طوال اليوم قابعة في ركن بمنزلها.لم تذهب لعملهاأو تخاطب أحداً .ظلت تحلم به وتحدثه ،تعاتبه وتخاصمه ثم تصالحه.أخذت تبكي بشدة ثم تهدأ ثم تعود لتبكي.نامت على هذا الوضع.
ظلت على حالتها تلك أياماً عديدة ،لا تأكل ولا تشرب ،فقط تحلم كأن الحلم يغنيها عن الحياة.تحلم وهي يقظة وتفقد القدرة على الحلم حين تنام ولذلك فقد حاولت التوقف عن النوم أيضاً لتظل تحلم وتحلم .
فبحلمها تعيش،تحيا وتتنفس.
(7)
بعد أسبوع رآها زملائها تعود لعملها كعادتها.
الإبتسامة فوق شفتيها كأنها جزء من وجهها.تقوم بعملها وهي تحلم.في منتصف النهار تغادر ثم تعود لتكمل عملها .
الشئ الوحيد الذي تغير هو ذلك المطعم فلم تعد تذهب هناك ................. ولكنها مازالت تحلم.
كتبت لأول مرة في يوليو2000
Posted by شيرين رضا at ٨:١٦ م 0 comments
Labels: قصة قصيرة
دبلوماسيات
يرتشف فنجان القهوة على مهل وهو يتأمل الشمس في رحلتها نحو الغروب ، أشعتها واهنة ضعيفة كعادتها في هذا الوقت من كل عام .،تتحرك نحو نهاية صفحة السماء رويداًرويداً تاركةً أصباغاًمن الألوان خلفها تختلط في تدرجات لا تدري حدودها الفاصلة ولا حدودها الواصلةوتلقي بظلال من أطيافها اللونية على السحب ...تلك القطع القطنية البيضاء السابحة في بحر الأصباغ والتي دائماً ما تقف حائلاً بينه وبين متابعة المشهد ،تتجمع وتتكاثف فتحجب القرص الواهن خلفها ثم ما تلبث أن تنقشع على مهل كأنه دهر لتفسح المجال للتأمل والمتابعة
كانت هذه إحدى هواياته الصغيرة التي تعينه كثيراً على نسيان متاعب يومه ومشاقه ، يجلس في كرسيه الهزاز الواسع العميق يرتشف القهوة ويحاول غزو عالم الشمس بنظراته المتأملة تاركاً عقله يسبح في عالم السماء أمامه خالياً من أي تفكير .ولكن أفكاره لا تتركه وحيداً مستمتعاً ،كان يعلم أنه لا بد أن يستعد لحضور الحفلة المقامة مساءاً في سفارة بلاده حيث يعمل بمناسبة احتفالات رأس السنة .تلك الحفلة لن تخلو من بعض الأعمال فهكذا هي الحفلات التي تضم رجال السياسة والدبلوماسية :مناقشات ومحاولات لعرض الآراء لا تخلو من مجادلات قد تتطور لفرض الآراء عندما يكون المتحدث صاحب سلطة عليا أو نفوذ عريض، والدبلوماسيةالتي تعلمها من عمله الطويل تقتضي المجاملة والمداهنة والتلاعب بالألفاظ والكلمات والكل يدخل في صراع مع الكل يخفيه بإبتسامة منمقة وإن كانت العيون تبدي ما تخفيه الصدور ،صراعات على الوصول لآعلى المناصب أكثر منها صراعات في سبيل تحقيق الغاية من هذا المنصب ،ومشاحنات تدور بداخل النفوس التي تعتمل كمراجل بينما يظل الظاهر بارداً صلباً صامداً في مواجهة كل المواقف ويتقبلها بإبتسامة دبلوماسية باهته أكثر من أشعة الشمس حين تغرب شتاءاً ،ونظرة العين التي تكاد تخترق من تنظر إليه لعلها ترى ما يختفي في دخيلته ومشاعره وأفكاره هذا فضلاً عن الصراعات الخارجية بين ساسة الدول وقوادها والتي يتصدى لها دائماً ويقف منها موقف الصدارة هذا الحشد من الدبلوماسية في الكلمات والنظرات والبسمات .كان هذا هو المعترك الذي يدور فيه صديقنا والذي ظل يدور فيه طيلة عشرين عاماً منذ دلف إلى هذا العمل وكانت هذه هي الأفكارالتي دارت سريعاً في رأسه وأخذته من جلسته المتأملة بعيداً عن عالم الشمس وأصباغها .
نظر في ساعته فوجد عقاربها تحثه على التخلي عن جلسته الهادئة وفنجان القهوة ومنظر الشمس الغاربة .ألقى نظرة أخيرة على لوحة الغروب وفي عينيه بقايا بريق متأمل ينسحب . وضع فنجان القهوة على الطاولة وقام إلى غرفته.
في تمام الثامنة كان قد أنتهى سريعاً من أرتداء ملابسه وجلس إلى مكتبه يدرس بعض الأوراق ،العمل يطارده حتى في الإجازات. ظل يقرأ أوراقه ويخط خطوطاً ويحدد عناويناً أو جملاً ويسجل ملحوظات ويبحث في كتبه وملفاته .دقت الساعة معلنة العاشرة وجاء الخادم يخبره أن السائق في انتظار خروجه.قام وتأكد من هندامه ثم انطلق في طريقه إلى السفارة التي لا تقع بعيداً عن مكان إقامته.
بدا الحفل هادئاً ،كل من توقع حضوره وجده حاضراً .الكل يرتدي نفس الوجوه الزائفة ،يبتسمون له في ود وهو يعلم ما خلف هذه الأبتسامات ولكنه يردها بالمثل دون أن يظهر ما يدل على ضيقه.لكم كان يود لو يسهر هذه الليلة في منزله بعيداً عن هذه المخلوقات الزائفةولكن واجبات العمل لن تمنحه مثل هذه الفرصة.أقبل يندمج في الأحاديث التي ظلت وستظل تدور حول نفس المواضيع والأحداث ،يحس بداخله بملل من هذه المناقشات المتكررة التي لا ييأس أصحابها من فتح بابها كلما سنحت لهم الفرصة.إنهم يتكلمون ويتكلمون ولا ييأسون من الكلام كأنهم خلقوا له دون العمل وإثبات الأفعال ،فلا خطوة جادة تحقق ما طرحوه أو ناقشوه .كلما أنتقل من مجموعة إلى أخرى يجد نفس الصورة ونفس الحوار ونفس الأحاسيس وإن أختلف موضوع المناقشة .أحس بالندم على حضوره ولكنه لا يحب أن يظهر ذلك ،لا بد أن يستمر في مجاراتهم حتى النهاية ،حتي تنتهي هذه الحفلة أم حتى ينتهي ذلك اليوم أم حتى تنتهي تلك الحياة ،هو نفسه لا يدري إلى متى.
كانت من عاداته أنه دائم التطلع إلى باب الدخول يتأمل المقبلين على الحفل ويبتسم في دخيلته عندما يصدق حدسه في حضور البعض والأستقبال الحافل الذي يجده بعضهم بمجرد دخوله والأستقبال الفاتر الذي يجده البعض الآخر.كلها سياسة وكلها حركات مدبرة ومحسوبة.كان يسأل نفسه في بداية عمله لما لا يرحبون ببعض الشخصيات في حفلاتهم ومع ذلك يدعونهم لحضورها؟!!! فهم فيما بعد أنهاسياسة ودبلوماسية :ترك بعض الخيوط وإن كانت واهنة تربط بين الأشخاص حتى إذا أضطرتهم الظروف يعملون على تقويتها لخدمة أهدافهم .قد تعود واهنة من جديد بعد تحقيق الهدف أو المصلحة وقد تظل قوية ،كل ذلك يتوقف على الأحداث القائمة والظروف الراهنة وغيرها من المصطلحات المعروفة في ذلك الحقل الواسع الشاسع .
بينما كان يختلس نظراته المعتادة لباب الدخول أحس بيد توضع على كتفه .التفت ليسمع الصوت المرح يقول:"عادتك القديمة التي لن تكف عنها ،تتذكر عندما كنا صغاراً كنت دائماً تهتم بمتابعة الداخلين والخارجين للمنزل والمدرسة وكل الأماكن.تركز على ملابسهم ،إيماءتهم،حركاتهم وكلماتهم.تفسر وتحلل كل كلمة وحركة وتبدأ في وضع تخيلك لهؤلاء الأشخاص وحياتهم.هل تتذكر؟".كان المتحدث هو أفضل أصدقاءه على الإطلاق ،بل هو الصديق الوحيد في هذا العالم المزيف الأبتسامة الذي يعيش فيه .كانا وما زالا متجاورين منذ أيام الطفولة في ذلك الحي الشعبي القديم .أينما يذهب أحدهما يذهب الآخر ،وأينما تريد البحث عن أحدهما تسأل عن مكان الآخر .لقد ظلا على هذه الحال حتى عندما قررا العمل فقد جاءت الظروف لتساعدهما على العمل في نفس المكان .تفرقا لبعض الوقت نتيجة لظروف العمل وأسفاره ومشاكله التي تطحن المرء فلا تدع له الوقت حتى ليفكر في نفسه ولكنهما أخيراً عادا للعمل معاً في نفس المكان ونفس البلد.تمنى لو يحتضن هذا الصديق الحق.كان يشعر بسعادة غامرة لوجوده في هذا المكان معه ولكنه تمالك نفسه فمثل هذا الفعل سيكون ملفتاً للإنتباه في مثل هذا المكان الذي تعود فيه الجميع على المشاعر الباردة .أكتفى بأن ضغط بحرارة على يديه وهو يبتسم ابتسامة صافية حقيقية حملت أحساسه بالإمتنان لتواجد صديقه.أحس الصديق بخبرته الطويلة بما يدور في نفسه ،ابتسم وهو يقول:"لكم كنت تكره هذه الأماكن التي لا تستطيع فيها التعبير عن نفسك ودخيلتك .هل تذكر عندما كنا نلعب معاً في منزلك القديم كانت والدتك يرحمها الله تؤكد أن نلعب بهدوء حتى تنتهي من ترتيب المنزل ولكنك عندما كنت تتفوق عليّ كنت لا تطيق كتم فرحتك ،تذهب إليها وتصر أن تحكي لها كيف هزمتني وتظل تقفز وتضحك حتى تصرخ في وجهينا وتطردنا من المنزل .هل تذكر؟.حتى عندما ينتابك الحزن كنت تعبر عنه دائماً دون أن تكتمه في داخلك .كنت تكره إخفاء المشاعر ومداراتها."
نظر إلى صديقه وابتسم تلك الإبتسامة الزائفة التي تخفي خلفها ما تموج به نفسه من أنفعالات وإحساس بالحسرة على تلك الأيام الجميلة التي لن تعود .
انتحى الصديقان جانباً واستمرا في الحديث عن الذكريات وانطلقا الى عالم مختلف بعيداً عن ذلك العالم المشحون من حولهما بالساسة والسياسة والدبلوماسية العقيمة .كان صديقنا يعود إلى ذلك العالم بين وقت وآخر يتابع من يدلفون إلى الحفل بنظرات خاطفة سريعة ثم يعود لمتابعة الحديث مع صديقه العزيز .القى أحدى نظراته الخاطفة على باب الدخول ولكنها هذه المرة لم تكن مجرد نظرة عابرة فقد تسمرت عينه على ذلك الباب وعلى هؤلاء الحاضرين .ليس كلهم بل بالأخص تلك التي ترفل في ثياب الملائكة البيضاء وتبدو في ملامحها وهيئتها وكلها كأنها ملاك جميل هبط فجأة على الأرض وأختار تلك الحفلة ليشارك أصحابها ويلقي عليهم من رقته وسماحته وهدوءه ما يباركهم ويبارك عامهم كله.
ظل يتابعها بنظراته وهي تدخل بصحبة ذلك الدبلوماسي الأنيق متأبطة ذراعه ثم وهي تتلقى التحية من المدعوين وتبادلهم إياها بمنتهى الرقة والوداعة بإبتسامة خُيّل إليه أنها تختلف كل الأختلاف عن تلك المرسومة على الشفاة وبنظرات خيل إليه أنها تختلف تماماً عن تلك المحفورة على الوجوه .أحس كما لو كانت كائن مختلف عن هذا المكان.ما الذي أتى بها لتطحن رقتها وتذوب سماحتها ويهتز هدوئها ويلوث ثوبها الأبيض؟.ذلك الذي بصحبتها أو الذي هي بصحبته...إنه يعرفه.لكم يشعر بكراهيته له وتعمد كثيراً أن يقلل أي فرصة للحوار أو اللقاء معه وإذا أضطرته الظروف كان يضطر أن يشحن كل طاقته ليتحمل هذا الحوار أو اللقاء ،فهذا الشخص على الرغم من كونه أنيقاً في المظهر فإنه يخلو من كل أناقة الجوهر .لا يخجل من أن يجرح خصومه ويحاول أن يدفعهم بعيداً عن طريقه بأي وسيلة ليصل لأهدافه .كانت جملته الشهيرة أن الغاية تبرر الوسيلة هي مبدأه الذي ينهجه في الحياة...حياته كلها زيف وكذب وشرور.كيف يتفق أن يجتمع تلك الملاك مع هذا الشيطان؟!!!كل هذه الأفكار والمشاعر كانت تدور بداخله وأحس صديقه أنه غائب عنه في عالم آخر.أفاقه من أفكاره وسأله عن سبب شروده فأخبره بكل ما يحسه تجاه هذين الشخصين.نظر الصديق نحوهما ثم ابتسم وقال:(قد تكون أحدى لعبه أحضرها معه ليستخدمها في مؤامرة أخرى تردي أحد خصومه .قد تبدو كملاك كما تظن ولكنك لا تعلم ما تخفيه الرقة من قسوة والهدوء من عواصف والطيبة من شرور.في عالمنا يجب أن لا ننخدع بالمظاهر كما تعلمنا يا عزيزي .كن حذراً في حكمك ولا تتعجل.)
فكر في كلمات صديقه وقرر أن يقطع الشك باليقين .انتهز فرصة وقوف الملاك والشيطان مع أحد كبار الشخصيات التي له علاقة طيبة نوعاً ما معها وقرر أن يتقدم.تقمص الإبتسامة والنظرة المهنية وتقدم بهدوء.القى التحية وتعمد النظر في عينيها لعله يسبر أغوارها .وجدها تنظر إليه نظرة أربكته .لم يتوقع أن تنظر له بتلك الدهشة الواضحة والتي تلاها خجل جعلها تخفض بصرها حيناً .أحس أنه يعرفها ولكنه لا يتذكر أنه رآها من قبل.لم يمهله الأنيق كثيراً في محاولة اكتشاف سرها .أخذ يتحدث إليه بحديثه المنمق.كان يعلم جيداً شعورصديقنا نحوه ويعلم أنه لا يحاول أن يطول الحديث أو اللقاء بينهما ولكن ما أثار دهشته أن صديقنا استمر في الحديث أطول مما توقع.
سألها عن أهتماماتها السياسية فأجابت بإقتضاب بعد نظرة خجلى:لا تهمني كثيراً فأنا أجدها مملة.
قال المتأنق بالطبع ستحضر حفل تكريمي بعد احتفاليات رأس السنة أم ستعتزر؟!!
أفاق من تفكيره في ملاكه على كلمات المتأنق .حفل تكريم؟وما المناسبة؟.تذكر تلك المهمة الدبلوماسية الخطيرة التي قام بها هذا المتأنق.تحدث لنفسه:هل يستحق مثل هذا الشخص تكريماً؟! تكريم زائف ومجد زائف حياة زائفة تلك التي يعيشها.
أخفى كل ذلك تحت قناع الجمود والبرود وقال:طبعاً .سأحضر.
كان ذلك أكثر مما توقع المتأنق .لم يكن يتوقع ذلك الرد.كان يتوقع أن يختلق عذراً ليهرب كعادته. جاء أحد الحضور يطلب من المتأنق أن يشاركه ومجموعة من الحضور في مناقشة موضوع هام فأصبح صديقنا بمفرده مع ملاكه وبدأت الموسيقى تعزف .
- هل ترقصين؟
أجابت بإيماءة من رأسها ...تقدما نحو ساحة الرقص ....امسك بيدها وبدءا يرقصان .سألها:
- هل تعرفينني من قبل؟...هل أعرفك؟
- الا تتذكر؟
ولكنه لم يتذكر .حاول وفشل .أخبرته بإسم قد يكون فيه مفتاح الذاكرة ...
- نعم إنه أحد زملائي القدامى في كلية الحقوق.لم أره منذ تخرجي.ما علاقتك به؟
- أما زلت لا تتذكر ؟
نظر في عينيها وحاول أن يتذكر .لقد مرت عشرون عاماً طاحنة مهلكة وأصبحت حياته في عالم الدبلوماسية لا ترتبط بالوجوه والأشخاص أكثر منها أرتباطاً بالآراء والمحاورات .كل الوجوه تحمل له دوماً نفس الملامح :الجمود والاتعبير فلا تكشف عن حقيقتها الداخلية لمن يقف متطلعاً في العالم الخارجي من النفس البشرية .ولكنه يشعر بألفة مع تلك العينين ،تلك النظرة فيهما لا بد أنه رآها من قبل في مكان ما .لقد كان يراها سراباً يمر أمامه سريعاً وسط مئات النظرات الميتة التي عاش متقوقعاً فيهاً منذ أن دلف لذلك العالم،كانت تحمل له دائماً إحساساً بالراحة وطمأنينة النفس والسلام يساعده على اختراق غابات الحروب والصراعات .ولكن هذا الذي كان يظنه سراباً هو يراه الآن حقيقة ،نفسه تحدثه :"إذاً لم يكن سراباً بل ذكرى جميلة كانت تعيش بداخلي،ذكرى مضى عليها الكثير من أيام الزمن ولكنها كانت كنور الشمس لمن تعود الحياة في الظلام ،هذه الذكرى كيف تكونت وكيف كانت ومتي؟!.من أنت أيتها الملاك الهابط على أرض ليست بأرضك ؟".وفجأة جاءته الذكرى كنور خرج من قلبه فنثر الضياء على وجهه ونظراته وإبتسامته .هؤلاء الواقفين حوله كانوا انكروه لو لاحظوا هذا الضياء ونور البهجة والسعادة ولكنهم في ملهاة من عالمهم البعيد لا يشعرون بأحد غير أنفسهم ،يتخاطب كل منهم مع غيره ويعتقد أنه يسمعه ويراه ولكنه في الحقيقة لا يسمع ولا يرى غير نفسه .بعيداً عن هذا العالم كان صديقنا وملاكه يتذكرون ذلك العمر الذي مضى كهبات النسيم الرقيق على النفوس .كانت أخت زميله ذلك وكانت أول حب بل أخر إحساس حقيقي مر به ،لم يصرح لها أو لنفسه...
كانت هذه أول مرة في حياته يكتم مشاعره بداخله ويمنعها من الإنطلاق في فضاءها الرحب.لا يدري الأسباب ولا يتذكرها ،كل ما يعرفه أنها هنا الآن معه من جديد كأن الزمان لم يمر وكأن العمر عاد به الى الوراء تلك العشرون عاماً . إنها الأيام...تمر بنا سريعاً كالهمس لا نشعر بها ،تدور بنا في دوامة واسعة وتطحننا فلا نشعر إلا وزماننا قد تحول لذرات تتطاير من حولنا ولا نستطيع لملمتها من جديد.ينظر إليها...ما زالت بنفس الوجه الملائكي والنظرة الصافية ....
حوار دار داخل نفسه ....تخيلها ترد عليه عبر ضياء عينيها:
- كيف وقعت في براثن ذلك الشيطان؟
- إنها الأقدار التي تحكم فلا يرد لها حكم.
- هل أحببته؟
-لم أحب في عمري إلا مرة واحدة ...لكنه ضاع؟
دق قلبه في عنف ..كان دائماً يشعر بميلها نحوه ...كان يشعر بذلك في نظراتها وضحكاتها وفنجان القهوة المضبوط الذي كانت تصر أن تقدمه له بنفسها كلما حضر إلى منزلهم.
مازال الحوار مع نفسه دائراً:
- ما الذي أضاعه؟
- الأيام التي تطحن والأقدار التي تحكم.
يسأل نفسه:
"هل أحبتني حقاً؟ أم أن هذا الضياء الصادر من عينيها يكذب ويخدع ككل تلك العيون من حولنا...كعيني زوجها." مرارة تعصر قلبه عندما التقى مع تلك الحقيقة ،هي الآن ملك ذلك الزائف الواقف هناك يناقش ويجادل في ثقة وخيلاء.أحس بالكره في أعماقه يزيد لذلك الشخص.....زوجها .
بدأ حوار حقيقي معها:
- كيف تزوجت هذا الشخص؟
- يحبني.
أصابته الكلمة في قلبه وأحس برغبة في البكاء والضحك معاً،تقمص صلابة الدبلوماسي العتيد:
- هل يعرف الحب؟!!
- بلى يعرفه ويحبني بجنون .
القت نظرة على المتأنق فيها حناناً اشعل ذلك المرجل في نفسه.
- لا أصدق.
- بل صدق. هذه حقيقة أعيشها.
- إنه حقير وزائف.
نظرت إليه بعتاب: عندما يكون معي يصبح عظيم وحقيقي..إنه يتغير،صدقني.
- أصدق أنك تحبينه.
- اليس زوجي؟
- وأنا حبيبك ...ها تنكرين أنك أحببتني؟هل تنكرين أنني حبك الوحيد ؟.
نظرت إليه بدهشة تحولت إلى غضب مكتوم ...لم يهتم بنظراتها .إنتحى بها بعيداً عن العيون ،كان بداخله بركان يريد أن ينفجر ويلقي بحممه التي ظلت تشتعل بداخله والتي تكونت بفعل السنين والضغوط والصراعات والحب الضائع الذي وجده فجأة أمامه في أحضان شيطان يكرهه ويكره عالمه.
- أنت تحبيني أنا.لا يمكن أن تحبي هذا المخادع الزائف .لا تقولي أنه يحب فهو لا يعرف معناً للحب ،كله زيف وخداع.ليس هو الذي يتغير بل أنت التي تتغيرين لتصبحي مثله زائفة وشيطانه .هل تنكري حبي؟تكلمي.
كان الغضب قد وصل لذروته ولكنها تماسكت وابتسمت بهدوء،نفس الإبتسامة الرقيقة وإن كانت تحمل مرارة قاسية كانت تشعر بها :
-قد أكون أحببتك قديماً ولكن الآن أنت من تحبني وليس أنا ولكن هذه أيضاً أشك فيها .هل تدري لما ضاع الحب؟ ضاع لأنك انطلقت تعدو خلف أحلامك ومستقبلك السياسي ..وراء الدبلوماسية..ذلك العالم الذي تتهمه بأنه زيف وخداع هو الذي تركتني من أجله .أنا الآن أعيش حياة حقيقية وإحساساً حقيقي مع زوجي الواقف هناك وسط ذلك الحشد من الناس يتكلم ويحاور.إنه يحبني أكثر من أحلامه وطموحه.قد يكون عالمه الخارجي زيف ولكن عالمه الداخلي معي كله صدق وحقيقة وواقع .
كان يستمع لكلماتها ويشعر ببرودة تسري في أطرافه وتنتقل لكل خلية في جسده رغم الدفء الذي ينشره جهازالتكيف المركزي في كل الأنحاء وعيناه تبتعد عنها قليلاً وتنطلق خلف ذلك الثلج الأبيض الذي بدأ يتساقط وجموع من المدعوين يتجمعون عند النافذة يتضاحكون وينظرون للثلج بإشراق غريب لم يعهده فيهم من قبل ومع هذا الأحساس بدأت روحه تنطلق بعيداً كأنها تخلت عن جسده وأصبح يشعر كأنها تتحدث للفراغ لا له أو كأنها ليست هي من تتحدث وأخذ ينظر إلى شفتيها ويركز محاولاً مطابقة ما تسمعه أذنه على حركات تلك الشفاه ومحاولاً إستعادة صوتها القديم في ذاكرته لتطابقه خلايا مخه مع تلك النغمات الصادرة من بين تلك الشفاه المتحركة وهي مازالت تكمل سطور حوارها بنفس الإبتسامة الرقيقة:
أنت تكرهه ولكنه لا يكرهك بل يشفق عليك كثيراً فلقد حدثني عنك وكنت أتوقع أن أراك هنا ولكنني لم أتوقع أن أسمع منك ما سمعت.الآن أنا أيضاً أشفق عليك ،هل تدري لماذا؟.إن عالم الدبلوماسية والسياسة لا يعيش خارجك فقط بل داخلك أيضاً،تلك الصراعات وذلك الزيف والخداع ،لقد أحطت نفسك بكل هذا كما أحاط بك أيضاً وأصبحت تاءهاً .
مازال يشعر بالبرودة وحدقتاه تتوتر بين عينيها الدامعة وذخات الثلج المتساقطة خلفها عبر النافذة والظلام في الخارج دامساً تخترقه نتف الثلج الأبيض كثوبها ،خلايا مخه تؤكد تطابق ذلك الصوت من الزمن القديم و تلك الترددات المنهمرة على أذنه ،عينه تتوثق من إنطلاق تلك الترددات عبر تلك الشفتان نحو كيانه الواقف خالياً من أي إحساس إلا الشعور بوخز عميق بين جنبات صدره تنطلق منه ومضات من الألم لتسري عبر أليافه العصبية متجهه نحو عقله تحاول إكتشاف وتحليل وتفسير ما تنطلق به من كلمات ،تحاول إكتشاف حقيقة ما تقول وتدعي ،ولكنه يفشل ربما لأول مرة في حياته في إيجاد تحليل سريع ودقيق ومؤكد لما يغزو عقله من جمل وكلمات .
لم تكن قد إنتهت من حديثها بعد فظلت تتابع وهي تشعر بنظراته الزائغة وكأن بعض البرودة التي يشعر بها قد أصابتها فضمت الشال الأبيض أكثر حول رقبتها وهي تقول بصوت حانٍ كأنها تحدث طفلها الصغير:
لست زائفة ولا شيطانة بل أنا بشر وأنت كذلك وكلنا بشر في عالم يسير وزمان يمضي وحياة تمر ،نحاول أن نكون الأفضل دائماً،قد ننجح وتدفعنا الظروف لنقترب من الكمال ،الملائكية، وقد نفشل ونُدفع لنقترب من الشيطانية ،وقد نضل فنعتقد أننا وصلنا للأفضل ونحن نتجه مباشرة نحو الأسوء .
كان متجهاً بنظره لمتابعة الثلج المتساقط ،أمسكت بذراعه فنظر مباشرة في عينيها وهي تكمل بنبرات ارتجف لها قلبه وأحس بصداها يتردد داخله:انظر في مرآة حياتك ،تذكر ما كنت وما تكون ،صارح وناقش وحاور نفسك قبل الآخرين ،نحي الزيف والخداع جانباً وستجد الحقيقة التي وجدتها أنا وزوجي،عندها ستشعر بالسعادة التي نشعر بها وربما تعيش في حب مثلنا.
ظل ينظر في عينيها وشعور بالإختناق يحتل نفسه ،سمع صوتاً ينبه الحاضرين لإقتراب انتصاف الليل وإعلان بداية العام الجديد ،تركته في عالم يموج بالإضطرابات والأمواج المتلاطمة ،أحس كأنه هو نفسه موجة تضرب الصخور أو صخرة تضربها الأمواج ، لا يدري .تركته وذهبت لذلك المتأنق ،أستقبلها بإبتسامة وقبلة على جبينها.
بدأ العد التنازلي :عشرة...تسعة...ثمانية...كأن قلب صديقنا يدق بعنف وعقله تتضارب فيه الأفكار وكيانه كله يموج ويهتز ،ثلاثة...إثنان....واحد....أُطفأت الأنوار،أحس بالراحة في دنيا الظلام.عادت الأنوار بعد ثوان مع هتافات الجميع ،أحس بالأختناق يعود إليه ،ليس لأن الظلام من حوله اختفى بل لأنه أكتشف الحقيقة،ربما الظلام بداخله هو .نظر تجاهها فوجدها تضحك في صفاء وغريمه يضحك معها وينظران بكل السعادة لبعضهما ولكل الحاضرين .أن النور يشع داخل الروح فيعم على من حولها ولكن روحه مظلمةً تاءهةً كما قالت ،هكذا حدّث نفسه .جاء صديقه ليهنأه بالعام الجديد ،لم يرد،شعر الصديق بشئ غير عادي ،سأله فأعاد عليه كلامها،ضحك الصديق وقال:الم أحذرك من ملاكك يا عزيزي؟!
نظر إلى صديقه وكأنه يقول له:كان يجب أن أحذر من شيطاني أنا.
ترك الحفل بعد أن ودعها بنظرة أخيرة،منحته نظرة حانية مشفقة .أتجه إلى منزله سيراً على الأقدام .الشوارع كلها خالية والثلج توقف عن السقوط والعالم من حوله ساكن والأضواء في كل مكان والزينة في كل ركن.سار وحيداً في ذلك الفضاء حتى وصل لفضاء منزله الدائم وجلس في الشرفة على مقعده الهزاز ينظر للسماء وأفكاره تتجول في ذلك السكون .
في الصباح جلس إلى مكتبه ،سحب ورقة من أوراقه،أمسك بأحد الأقلام وخط عليها أستقالته بكلمات موجزة،وضعها في مظروف وارتدى معطفه ثم أنطلق إلى السفارة مشياً .كان يشعر بالخواء ولكنه يعلم أنه لا بد أن يضع حداً لتلك الحياة التي يعيشها ،ذلك العالم الذي أنطلق إليه مهرولاً سعيداً به وبمظاهره فوجده فارغاً خالياً زائفاً.إنه كتلك الزينة المعلقة في كل ركن نفرح بها يوماً ،يومين حتى تنتهي بهجتها فنرفعها ةنحجبها حتى يحين موعدها في العام القادم .ولكن حياته لم يكن بها عام قادم.كانت كلها متشابهة .فليأخذ موقفاً وينهي هذا كله الآن وللأبد .لم يفكر ماذا سيفعل بعد ذلك ولكن كل ما بداخله كان يصرخ بتلك الرغبة.
وصل إلى السفارة وطلب مقابلة السفير على الفور ،تعجب عندما قابله بالفعل على الفور .صافحه السفير وهنأه بسعادة وهو لا يدري اسباب التهاني ،لم يهتم وقدم خطاب الإستقالة. أمسك السفير بالخطاب مندهشاً ،فتحه وقرأ ما به فزادت دهشته وتحولت لضحكات كبيرة، ثم جلس وطلب منه الجلوس وقال له:لقد تم ترشيحك لتحل محلي هنا بعد شهر من الآن عندما تنتهي خدمتي.
كانت الدهشة الآن من نصيب صديقنا ،هب واقفاً وهو لا يصدق ،ضحك بدوره ،سأل السفير أن يصدقه القول فأكد له بكل جدية صدق ما يقول ،وقف ذاهلاً.لقد تحقق الحلم الذي من أجله أنطلق الى ذلك العالم وتحمله كل تلك السنوات لقد وصل إلى الغاية،ولكن أي غاية ،الآن يجب أن تكبر الأحلام ،الآن سيكون سفيراً بعدهايجب أن يطمح في أكثر وأبعد وأعظم .أفاقه السفير من أحلامه وهو يقدم له الخطاب:أعتقد أن هذا لا داعي له.
أمسك بالخطاب وتذكر كل شئ دفعةواحدة ،رأى عينيها تنظر إليه بسخرية ورأى زوجها كما كان يتصوره دائماً في أحلامه كمسخ بشع .دار كل شئ أمامه كشريط سينمائي باهت الصورة .سأله السفير: ماذا ستفعل به؟!!
نظر إليه ثم إلى الخطاب ،ماذا سيفعل؟...إتجه إلى النافذة ،نظر إلى قرص الشمس وهو يكمل مشواره المعتاد ليصل لكبد السماء ،إنها رحلة أزلية ،يبدأ دوماً من المشرق ويصعد بتؤدة وصبرحتى يصل لأعلى نقطة في السماء ثم ما يلبث أن ينزل وينخفض ويهبط حتى يغيب ويختفي خلف الأفق .إنها دورة لا بد منها لتكتمل الحياة وتستمر.
مازال ينظر لقرص الشمس الواهن خلف السحب .ترك القرص الضئيل يكمل رحلته وعاد لتلك الغرفة،إلى ذلك العالم ....عالم الدبلوماسيات وقصاصات من الورق المبعثر تتطاير خارج النافذة .
كتبت للأول مرة في صيف 1997
Posted by شيرين رضا at ٧:٣٣ م 0 comments
Labels: قصة قصيرة
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






