السبت، ١٨ أكتوبر ٢٠٠٨
تابع(البيت الخشبي)
(16)
دخلت الجدة فاطمة على الجد.....
- هل ذهبت الفتاة؟
- لا لم تذهب بعد....ولا أريدها أن تذهب يا شيخ صابر
- ماذا تقولين؟
- مكانها هنا معنا....أنت تعرف ذلك كما أعرفه...يجب أن نخبرها بالحقيقة....لقد جاءت تبحث عن الحقيقة وليست هي وحدها من تتسائل....لقد بدأ صخر أيضا يسأل وأنت تعرفه لن يرتاح حتى يعرف...وسيعرف...إن آجلا أو عاجلا سيعرف يا شيخ صابر...
نظر لها الشيخ بصرامه وغضب هادر:
-تريدين أن نقول الحقيقة يا فاطمة....تريدين هدم كل شيء ...تريدين أن يعرف صخر....هل حقا تريدينه أن يعرف؟
-لن أستطيع أن أتخلى عنها كما تخليت عن أمها قديما يا شيخ .....سأقف معها وأساندها....سأخبرها....
- لا تفعلي يا فاطمة..
- بل سأفعل ....همت الجدة بالخروج من الخيمة ونهض الشيخ خلفها محاولا منعها...دخل صخر في تلك اللحظة
تسمر الأثنان مكانهما....نظر صخر لجده مليا ثم نقل بصره لجدته
- ماذا كنت ستقولين لها يا جدتي؟
همت الجدة بالكلام فصرخ الجد: فاطمة...
نظر صخر نحو جده...تقدم منه في هدوء: مهرة أختي يا جدي....أليس كذلك؟
نظر الأثنان نحوه بدهشة هائلة........سالت دموع الجدة وتقاذف الخوف من عين الجد
---------------------------
كانت عالية تجلس مع مهرة الصامتة منذ خرجت من خيمة الجد..
- الن تنامي يا مهرة؟
- أريد أن أذهب للبيت..
- الوقت متأخر ..نذهب غدا صباحا..
نظرت لها مهرة في حزن عميق ومرارة: لا أقصد ذلك البيت الخشبي...أريد الذهاب لبيتي الحقيقي..هناك عند البحر..
نظرت لها عالية بإشفاق: هل تريدين تركنا هكذا سريعا بعد أن أحببناكي..
نظرت لها مهرة والدموع تسقط من عينها: لقد جئت أبحث عن أهلي فأضعت الشيء الوحيد الذي يمثل لي قيمة حقيقة في هذا العالم...ولم أجد ما كنت أبحث عنه...يا ليتني سمعت كلام أحمد..
شهقت وانتفضت من مكانها: أحمد....لقد نسيت...غدا ميعاد ندوته في العاصمة...يجب أن أذهب...
خرجت مسرعة وعالية خلفها: أين ستذهبين؟
- سأبحث عن صخر يجب أن أعود الليلة بأي شكل...
---------------------
في خيمة الجد جلس صخر يواجه جده الذي بدا عليه الشحوب وجدته التي إنغمست في دموعها الصامتة..كان صخر هادئا متماسكا ولكن عينه تحمل حزنا لا يستطيع إخفائه
- كنت أسمع أبي يحكي لوالد عالية وأنا صغير عن أمي....لم أفهم كثيرا من الكلام وقتها ولكني فهمت أن أبي تزوج أمي ليصلح عارا جلبته هي على القبيلة.....أليس كذلك يا جدي...
صرخت الجدة: لا يا ولدي......أمك لم تكن عارا.....لقد كانت متزوجة على سنة الله ورسوله...
صرخ الجد: فاطمة..
نظرت له في تحد وقوة تعجب لها صخر:
- لن أصمت الآن يجب أن يعرف الحقيقة....
أشاح الجد بوجهه وحولت هي نظرها إلى صخر وقد حل محل التحدي عطف وشفقة وحنان :
- لقد تزوجت أمك قبل والدك من ذلك الغريب الذي سكن في ذلك البيت الخشبي....تقدم لخطبتها فرفض جدك لأنه ليس من رجال القبيلة....هربت معه وتزوجا ...بعث جدك خلفهما الرجال خطفوها وعادوا بها...كانت حامل..أخفاها جدك عن العيون وساوم زوجها على طلاقها مقابل الطفلة وإلا قتلها...بعد الطلاق زوجها لأبيك ..كان أبوك رجلا بحق حافظ عليها وأكرمها وكان رافضا لقسوة جدك معها وحاول كثيرا إقناع جدك أن ترى إبنتها ولكنه كان يرفض.....حتى حملت بك وماتت وهي تضعك...
- هل تلك المرأة هي أمي....
حملق الجميع في مدخل الخيمة...كانت مهرة تقف في ذهول ووجهها باهت....وعالية تنقل نظرها بين الجميع غير مصدقة ما تسمع وجسدها يرتعش....صمت الجميع وتقدم منها صخر وعينه تحمل نظرات حنان وإشفاق..
- نعم يا مهرة....أمك....وأمي أنا أيضا...
تنظر له مهرة محملقة في ذهول ..عالية ترتعش وتتجه حيث الجدة فاطمة ترتمي في حضنها
مهرة تخرج من حالة الذهول..دموعها تنهمرفي هدوء..وجهها الشاحب يزداد شحوباً ..صوتها يخرج بصعوبة ممتليء بالألم وهي تحول نظرها للجد : لماذا؟ لماذا حدث هذا؟ ومن أجل ماذا؟ لا أستطيع أن أتخيل أي سبب في الدنيا يبرر ما فعلته بحياة أمي وأبي...بحياتي أنا..ماذنبي أنا؟...هل تستطيع أن تقول لي ماالذنب الذي أقترفته أنا لتعاقبني هكذا...تحرمني من أمي...وكنت تريد أن تحرمني من معرفة الحقيقة ومن معرفة أهلي للأبد.. لماذا؟ لماذا؟
يشيح الجد بنظره ويصمت.....مهرة تجري خارج المكان وصخر يصرخ خلفها : مهرة...
ينطلق خلفها تاركا الصمت والدموع طائران يحلقان فوق الرؤوس ...
انطلقت مهرة تجري نحو الصحراء في الظلام وهي تنتحب بصوت عال مسموع ..يلحق بها صخر ويمسك ذراعها تنهار بين يديه..يحملها ويعود بها وكيانه يرتعش من أجلها...ونظرات القلق والتوتر تتراقص في عينيه..
----------------
- مهرة...
يفيق من نومه في حجرته بمنزل أمه..مشاعره مضطربة متداخلة..إحساسه يحمل إنذاراً بالخطر...
جاءت أمه على صوت صراخه..فتحت النور...وضعت يدها على كتفه ومسحت قطرات العرق على جبينه...
- خير يا حبيبي...
يتنبه للواقع من حوله...ينظر لأمه...يصمت..بداخله إحساس مخنوق...
- ترى ماذا حدث؟!!
سؤال يتردد في أعماقه .....يتمنى لو يراها الآن...يهمس في حنين قلق..
- مهرة..
تبتسم أمه في حنان وهي تضم رأسه لصدرها: ستراها غدا...يبدو أنك تحبها أكثر مما توقعت...كم أتشوق أن أراها..
قبلت جبينه وأطفات النور وتركته ليكمل نومه...ولكنه لم ينم... الإحساس المخنوق بداخله يحتل كيانه....ينظر لهاتفه... كان الفجر قد إقترب...: ربما هو مجرد كابوس....أكيد هي نائمة الآن....كما قالت أمي كلها ساعات وسأراها...نعم سأراها....
ولكن القلق مازال يزحف على صدره.......
-----------------
تنقشع الظلمة...نور أبيض يأتي من مكان ما لا تدري مصدره...
-أبي...
يظهر أبوها من بعيد ماداً ذراعيه مبتسماً ...تنطلق نحوه سعيدة...ترمي بنفسها بين ذراعيه ...
- أبي....أحتاج إليك...لا تتركني يا أبي...
Posted by شيرين رضا at ٨:٠٢ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
تابع(البيت الخشبي)
(15)
جاءت عالية تهرول للخيمة ...
- جدتي أنت هنا...
- ماذا بك يا بنيتي...
- لقد سرقت مهرة...سرق منها عقد أمها الذي كانت تحتفظ به في البيت الخشبي ...إنها منهارة وتبكي بشدة ولا أجد صخر
نظرت الجدة فاطمة للشيخ وعيناها تلمعان...ثم همت بالوقوف فساعدتها عالية..
- هل رأيت العقد من قبل يا عالية..
- لا يا جدتي ولكن كما قالت بالأمس.. أنه عقد ثمين من العقيق الأحمر مشغول بالفضة...
إمتعق وجه الشيخ وظهرت علامات الإنفعال الشديد على وجه الجدة ولكن عالية كانت غارقة في أفكارها...
- أظن أن حسان هو من أخذه...لا يوجد غيره في هذه الأنحاء قد يفعل مثل هذه الفعلة..
دخل صخر عليهم...لاحظ تلك العلامات على الوجوه...
- ماذا حدث..
-----------------------
كان حسان يتنقل بين الموائد في عشته يتسامر ويتندر مع زبائنه وقد لعب الدخان برأسه فذهب ببعض وعيه...
من بعيد كانت قمر جالسة ترقبه وعيناها تمتلئان بالكراهية والإحتقار...
دخل صخر ومعه رجلان من القبيلة ...نظر حسان إليهم في سخرية ..
- يا مرحباً يا مرحباً ....ماهذا الشرف العظيم...
سحب كرسياً وأقترب به من صخر الواقف ينظر للمكان بتقزز ...
- تفضل يا صخر...ماذا تحب...شيشة أم بيرة...كله موجود...
في هدوء حازم ولكنه هادر نظر له صخر ..
- أين العقد...
- أي عقد...
أشار صخر للرجلين فبدءا يفتشان المكان وحسان يصيح مترنحاً ...
- ماذا تفعلان...
كانت قمر تراقب ما يحدث ولا تتحدث...
لم يجد الرجلان شيئاً ...أمسك صخر بجلباب حسان ونظر في عينيه مهدداً...
- لو كانت لك أي علاقة بسرقة العقد فلن تبقى في هذا المكان لحظة واحدة..
غادر صخر ...خلفه كان شبحا يسير متسترا بعباءة سوداء...
--------------------------------------
كانت مهرة تجلس أمام الخيمة تنتظر عودة صخر...صاحت عالية عندما سمعت صوت الفرس...
- لقد وصل..
هبت مهرة واقفة وتنبهت حواس الجدة والشيخ ...
- لم نجد عنده العقد...
إنهارت مهرة من جديد وضمتها عالية تهدئها...
كانت نظرات الجدة تشملها بالعطف وترسل توسلات للشيخ ولكنه أشاح بنظره بعيداً في غضب...
- من أنت؟
وجهت عالية سؤالها لذلك المتشح بالسواد خلف الفرس...
رفع القادم عباءته ..
- أنا قمر...
نظر لها الجميع بدهشة وتعجب....ولكن صخر تحولت نظراته لغضب...
- ماذا تريدين ؟
- لقد سرق حسان العقد ...رأيته بالأمس يسرقه من البيت الخشبي ثم تقابل مع رجل أجنبي في الواحة وباعه إياه..
صرخت مهرة: عقد أمي باعه.....لقد ضاع.....ضاع كل شيء...كل شيء ....سامحني يا أبي..
نظر لها الجميع في إشفاق بينما إحتفظ الجد بنظراته الغاضبة ولكن خالطها بعض إرتعاشات
نظر صخر لقمر متسائلا :
- لماذا تشين به؟
- عندي أسبابي...يجب أن أذهب الآن....
وعادت تتشح بسوادها وتنطلق مبتعدة......
--------------------
الليل رابض يتنفس ظلمة ....رياح هبت تحمل الرمال في دوائر صغيرة وتنثرها في جوف الأفق الأسود ...
صوت حيوان يعوي يتردد....تصمت المسامرات وترتفع الرؤوس وترهف الآذان والنفوس....
- وكأن الليلة تنذر بشيء...
تمتم أحد الرجال...يتحلقون حول النيران كعادتهم ...ألسنة اللهب ترسم الظلال وتطرقع في صوت مقشعر....
الجميع في خيمة الشيخ صابر....المشاعر تختلط تتداخل..كل في واديه تتحلق حوله الأفكار ...
الشيخ صابر مازالت ملامحه تحمل الحزم الغاضب التي تتقاذفها النظرات المترددة بين مهرة وبين الجدة فاطمة ....الجدة تتلقى النظرات وتحمل في عينها تجاهلاً لها وتلقى بكل حنانها نحو مهرة ...حنان يشوبه القلق والتوجس والرهبة....صخر يحمل ملامحه الجادة ...ثم لا شيء...ملامحه الجادة صامتة وعينه تتابع الوجوه .
أما عالية فهي تجلس بجانب مهرة وقد رفعت نقابها...تمسك بيد مهرة بين يديها..
- ماذا سأفعل الآن....هذا العقد كان الشيء الوحيد الذي أملكه عن أمي وظننت أنه سيرشدني لأهلي...
ألقى الشيخ بنظراته نحو مهرة التي أرعشتها النظرات الغاضبة الحادة ...
- إني لا أصدق كل تلك التمثيلية ....
همست مهرة في دهشة: تمثيلية...
صاح بها الشيخ هادراً..
- نعم.......ذلك العقد الذي تتهمين ذلك الحسان بسرقته..وتلك العاهرة تأتي لتشي به لتؤكد مزاعمك، أشعر أن كل ذلك لعبة ملفقة ..أنتم الثلاثة تلعبون لعبة ما.....
بهتت مهرة ...أول مرة في حياتها تواجه بمثل تلك الإهانات...لم يحدث لها يوماً أن أهانها شخص حتى بعد وفاة والدها..ذلك الحدث الذي جعلها تتصور أنها بلا حماية وجاءت هنا تطلب الأهل والحماية فوجدت نفسها تهان على يد شيخ كبير لا تملك أمامه رداً لإهانتها...تجمعت الدماء في وجهها ودموعها ترفض الإنهزام لضعفها..
صاحت الجدة فاطمة:
- يكفي هذا يا شيخ صابر...الفتاة لم تفعل شيء ...
- بل فعلت...إن...
نهضت الجدة وهي تكمل صياحها والدموع تغلبها....
- يكفي يا شيخ صابر...أنت رجل قاسي القلب ...تريد أن تحاسبها على ذنب لم ترتكبه..لم تتعلم من الماضي...ألا يكفيك كل ما كان...
نظر لها الشيخ في غضب مخيف...
أمسكت الجدة بذراع مهرة..
- هيا معي يا أبنتي...هيا يكفيك هذا هيا..
قامت معها مهرة وعالية ...صاح الشيخ...
- هذه البنت لا تبقى هنا بعد اليوم...من الصباح الباكر تعود من حيث أتت...لا مكان لهاهنا ..
نظرت له مهرة وغضبها وشعورها بالإهانة يتزايد...
- أنا هنا أعيش في منزل أبي ...أبحث عن أمي وأهلي...لن أذهب حتى أصل لما أريد...
- لا أهل لك هنا .......أذهبي.....
نظرت مهرة في عيني الشيخ وإحساسها بالغضب من الإهانة يتزايد ويرمي بها في دوامة من الضعف والتخاذل.......جذبتها الجدة فاطمة وخرجت بها ...
ظل صخر واقفا ينظر لجده وبجواره عالية تدور عينها بينهما والحيرة تملئها...جاءها صوت صخر هادئ ولكنه يحمل نبرة حاسمة لم تستطع مجادلتها : أذهبي خلف جدتي يا عالية .....
نظر له جده ....لم يستطع أن يطيل النظر طويلا في عين حفيده التي كانت ترمقه ويشعر بها تكاد تخترق حواجز أسراره الداخلية فتفشيها كلها دفعة واحدة....لم يكن على إستعداد لمواجه أو حوار من أي نوع مع حفيده الآن....
- أذهب يا صخر ...إتركني وحدي ...أحتاج للخلوة..
جاءته نبرات صخر المصممة على فتح الحوار ..هادئة وحازمة في قوة
- لماذا يا جدي....؟
نظر بغضب مفتعل تجاه حفيده وخرج صوته هادرا:
- لأني أريد أن أختلي بنفسي يا ولد ...أخرج الآن...
تقدم منه صخر ومازال ينظر في عين جده الذي أشاح بوجهه:
- لا أقصد هذا بسؤالي يا جدي...أقصد لماذا كل تلك الثورة التي صببتها على الفتاة....الموضوع لم يكن يستحق ولا علاقة لنا به لنغضب ونثور..
لم يرد الجد وظل محتفظا بصمته مشيحا بوجهه ولكن قسمات ذلك الوجه كانت ترتعش ..إستأنف صخر كلامه بعد أن جلس بجوار جده: هل لنا علاقة بهذا الموضوع يا جدي؟
لم يجب الجد ....
- جدي.....لقد جاءت تبحث عن أهل أمها.....أبوها كان يعيش هنا فترة من الزمن .....معها عقد من أوصافه يبدو كتلك العقود التي يقدمها رجال قبيلتنا لنساءهم عند الزواج بهم.....أليست هذه من عاداتنا...هل كل ذلك صدفة..
أضف لذلك ثورتك وغضبك و....خوفك..
نظر له الجد بغضب وثورة تفور من عينيه وهم بالكلام ولكن صخر قاطعه
- أرجوك يا جدي....أريد أن أعرف الحقيقة.....
- لا توجد حقيقة لتعرفها....قم الآن.....إذهب.....
- ولكن يا جدي.....
- قلت لك إذهب ....
نهض صخر ومضى بعد أن ألقى على جده نظرة أخيرة وأشاح الأخير بوجهه بعيدا....
ذهب لجدته......
- كيف مهرة
ردت الجدة بوهن وضعف ظاهريين
- دخلت مع عالية ليناما...
جلس صخر بجوارها: ما الحكاية يا جدتي......
بدأت الدموع تنهال من عينيها كأنها فيضان كسر السدود....شعر صخر بالشفقة عليها.....وزاد شعوره أكثر بفظاعة ما يكتمه الجد وتعرفه الجدة ولا تستطيع البوح به ولكنه تأكد من علاقة كل ذلك بحكاية مهرة وأهلها....قبل جدته في جبينها وتركها وذهب .....
-----------------------
دخلت قمر العشة....كان حسان قد وصل لمرحلة الغيبوية بعد أن قضى على كل أنفاس الشيشة وكل الحشيش الذي كان بحوذته.......نزعت عباءتها ونظرت نحوه بإشمئزاز....فتح عينه ورآها....نهض وأخذ يسعل ويبصق وهو يقترب منها....
- كنت فين يا حلوة....تعالي....
حاول أن يمسك بها فأفلتت منه وترنح وسقط أرضا.....
- لمن بعت العقد يا حسان......
- أي عقد
-عقد الفتاة التي سكنت في ذلك المنزل......العقد الذي سرقته ليلة أمس..
- أنا أسرق؟ ...أنا لا أعرف شيئا...أنا نظيف.......فتشيني...
- لقد رأيتك وأنت تسرقه يا حسان...تتبعتك إلى هناك ورأيتك...
وكأن كلماتها جعلته يفيق...نهض من عسرته وفي عينه الشر وتوجه نحوها مترنحا:
- هل تراقبيني يا امرأة...
وقفت تواجهه بتحد: قل لي لمن بعته وإلا سأبلغ عنك الشرطة وأشهد أنك من سرقته...
- هل جننت يا امرأة ...وماذا يهمك في هذا الأمر من الأساس
- لا لم أجن...ولكني أريد العقد..
- آه......كنتي تطمعين أن أهديكي إياه.....إنه غال جدا عليك يا امراة ...لا يتناسب مع أمثالك...إذهبي يا امرأة...لا تعكري على هذه الليلة......أمامك إختياران...إما أن تأتي بهدوء لتنامي في فراشي الليلة أو تذهبي من حيث أتيتي ...هيا
نظرت له نظرة نارية وتلفعت بالعباءة وذهبت......ذهبت وسط ظلام الصحراء وهدوء الليل لا تنظر خلفها....
Posted by شيرين رضا at ٦:١٠ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
الجمعة، ١٧ أكتوبر ٢٠٠٨
تابع (البيت الخشبي)
(13) وصلا القبيلة.....الكل كان في إستقبال الضيوف ورائحة الشواء تعبق في الجو......
نظر صخر لعالية مبتسما في صفاء : أعتقد أن مهرة تحتاج ثوباً يناسبها .....
يتركهما معا ...يرى الجدة فاطمة تجلس أمام خيمتها. وحولها الأطفال كالعادة ، ولكن نظراتها كانت تسير مع عالية ومهرة......أقبل عليها ...
- مساء الخير يا جدتي.....
- مساء الخير يا بني...من تلك الفتاة التي جاءت معكم
- اسمها مهرة يا جدتي....جاءت منذ يومين وتقيم في البيت الخشبي
نظرت له الجدة وإرتعاشات تلمع في عينيها وتبدو على ملامح وجهها العجوز المتغضن
- البيت الخشبي؟
- نعم يا جدة...تقول أنه منزل والدها....
تشرد الجدة وتصمت ...
يبتسم صخر في عطف وإشفاق ويربت على كتف العجوز:
- هل تصدقين فعلا تلك الحكايات التي تحكينها عن ذلك البيت يا جدتي أم أنها مجرد حواديت تخيفين بها الصغار حتى لا يبتعدوا عن حمى القبيلة...
تنظر الجدة في عينه بعمق وتسرح صامته ...يقبل يدها و ينطلق لرفاقه .....
كانت تقف في ثوبها البدوي المزين بالنقوش والزخارف والنقاب قد غطى ضفيرتها وملامح وجهها......بجوارها عالية في نقابها هي الأخرى.....مر بهما صخر ...توقف يتطلع للعيون ....إقترب منهما ....
- هل تعلمان أن لكما نفس العينين......
نظرت كل منهما للأخرى وقالتا في وقت واحد : حقا...
ضحك صخر: ربما يجب أن تعود مهرة لملابسها العادية حتى لا نخطيء بينكما....
طالعته عينان تحملان نظرات الغيرة والعتاب ...نظر لصاحبتها مبتسما في صفاء :
- عالية ...خذي مهرة للجدة فاطمة...
ضحكت مهرة ورفعت النقاب عن وجهها: إذن كيف عرفت أن تميزنا عن بعضنا....
نظر لها صخر مبتسما: لا يمكن أن أخطأ عالية....
إنطلق مبتعدا وترك مهرة تتأمل عينا عالية وهي تتبعه وبها تلك النظرة الخاصة التي لم يستطع النقاب إخفاءها......إبتسمت ونظرت خلف صخر ولاح لها في الفضاء على أضواء النيران البعيده ملامح أحمد..
- صخر يرى أنني أشبهك.....
تصمت عالية......تنظرلها مهرة: القلق في عينيك......هل تخشين أن يحبني؟
تنظر لها في رعب فتضحك مهرة ضحكة صغيرة: لن يفعل .....أنا أيضاً لن أفعل
صمتت عالية ...
مهرة سرحت ببصرها نحو الأفق الأسود .....
- هناك عند البحر تركت شخصاً ...هو خفقات قلبي الوحيدة...
وصمتت كأنها أفرغت كل ما عندها من كلمات وصوت المنشد في أذنها يذكرها بيوم المولد...عادت لشاطيء البحر بخيالها السارح...
- مهرة.......
فزعت مهرة على صوت عالية : نعم....
- أين ذهبت....لقد سرحت بعيداً ......
ثم تداركت عالية نفسها وقالت: أعذريني ،لا أقصد التدخل فيما لا يعنيني...
نظرت لها مهرة في صمت.....
- كيف تفهمين اللوحات.....
- تقصدين لوحات والدك؟
- نعم...
- أنا لا أفهمها فقط أحس بها......
- ولماذا لم أستطع أنا ذلك.....إنه أبي....
- ربما تبذلين جهداً أكثر من اللازم في ذلك.....دعي الأمور للطبيعة فهي كفيلة بحل كل شيء....
- كلامك جميل.....أين تعلمتي ذلك.....
- في الصحراء......وسط الرمال والهضاب وتحت السماء الزرقاء ......وربما من الماعز
ضحكت مهرة: من الماعز.....تصورت أنك ستقولين من صخر....
نظرت عالية تجاه صخر ولمعت عينها: لقد علمني الكثير ولكن ما نتعلمه من البشر أقل بكثير مما نتعلمه من الطبيعة....إنها الفطرة التي خلق الله الكون عليها والفطرة لا تخطأ......
سارتا معا متجهتين حيث تجلس الجدة فاطمة....
- كيف أحببت "صخر"؟
- لست أدري........كنا معاً صغاراً وكبرنا ووجدت كل حياتي وذكرياتي تتصل به......
- والدك صديقه.
- كل أهل الواحة يمتون بصلات قربى لبعضهم البعض وكانت تربط والدي ووالده هذه العلاقات ولكن ما كان يربط بينهما من صداقة وعشرة أقوى بكثير من كل رابطة دم يمكن أن تجمع بينهما.....
لقد خاطر أبي بنفسه لينقذ والد صخر عندما هاجمته حية سامة في غفلة وتلقى والدي اللدغة وهو يحاول إبعادها ولكن السماء لم تكن قد قررت أن يموت بعد فعاش وظل والد صخر يحمل له هذا الصنيع.
وعندما توفى والدي ظل والد صخر يرعاني حتى جاءه النداء العلوي وفارق هذه الحياة ليلحق بصديقه .
- أنت وصخر أيتام الأب مثلي.....
- وأيتام الأم أيضاً ......ماتت أمه وهي تلده وماتت أمي بعد وفاة أبي بعام ....كان عندي ستة سنوات
- أمي أيضا ماتت.....
- هل تعرفين يا مهرة ربما لا نشبه بعض في الملامح فقط ولكن في أشياء أخرى أيضاً ....
الجدة فاطمة تجلس وبجوارها إحدى الفتيات تدلك ساقها بدهان..تدخل عالية وترفع نقابها ثم تقبل على الجدة تقبلها...خلفها تقف مهرة تنظر للجدة مبتسمة في ود .....تتعلق عينا الجدة بوجه مهرة....تمسك عالية بيد مهرة وتقربها من الجدة: هذه مهرة يا جدتي.....
تهمس الجدة في وهن: مهرة؟
تقترب مهرة وتجلس بجوار الجدة: كيف حالك يا جدتي......
تتعلق عينا الجدة فاطمة بوجهها تتطلع فيه وهي صامتة شاردة...تكمل مهرة مبتسمة :
- عالية محظوظة أن لها جدة طيبة مثلك ترعاها...هل تعلمين يا جدتي ،أنا مثل عالية يتيمة الأم والأب...ولكني لا أعرف أهلاً آخرين غيرهم ...عالية حكت لي عنك وكيف أعتنيت بها ....كم تمنيت لو كان عندي أهل مثلك ...
تبدو علامات من الإرهاق والوهن على الملامح المتغضنة...تمسك عالية يد الجدة وتسألها في قلق: هل أنت بخير يا جدتي...
تلمس الجدة وجه مهرة بيدها العجوز ...تنظر مهرة في عين الجدة وحالة من الشك تتلبسها...
- هل أذكرك بشخص ما يا جدتي؟
تبعد العجوز يدها في بطء وتظل تنظر في هدوء صامت.....
- ربما أشبه شخصا تعرفينه أو عرفتيه من قبل....هل هي إمرأة...هل تعرفين إمرأة تشبهني ؟
تشيح الجدة بوجهها وقد زادت على ملامحها إمارات التعب والجهد...تمسك مهرة بيدها وتنظر لها مستعطفة وقد بدأ الأمل يدب في روحها : أرجوك أخبريني ..فربما تكون تلك المرأة التي تشبهني أمي.....إني أبحث عنها...أنا..
قاطعتها الجدة وقد خرجت أخيرا عن صمتها: كيف لا تعرف بنتا أمها؟
- مات أبي وأنا صغيرة ولم يخبرني عنها...ولكني أملك العقد...
- أي عقد؟
- عقد من العقيق الأحمر..... إنه..
- أين هو؟
- في البيت الخشبي....هل تريدين رؤيته.....سأذهب لأحضره...
وقفت مهرة وهمت بالخروج فصاحت بها عالية: لا يمكن الذهاب الآن الليل قد حل والطريق طويل...صخر لن يوافق..
- ولكن..
- نذهب غدا يا مهرة...في الصباح...أليس كذلك يا جدتي.؟
نظرت مهرة للجدة التي كانت تطالعها ثم حولت عينها وقالت بصوت ضعيف واهن:
خذي الضيفة يا عالية ..أنا متعبة وأريد أن أنام..
إقتربت منها مهرة : ولكنك لم تقولي لي شيئا..
أعطتها الجدة ظهرها وقالت في الوهن: الله هو العالم يا بنيتي...الله هو العالم..أتركوني الآن..
أمسكت عالية زراع مهرة وخرجتا وكل كيان مهرة ينتفض......
- إنها تعرف شيئا يا عالية وتخفيه....
- ليس أكيدا...إنها فقط متعبة قليلا....بالإضافة أن لديها موقف من ذلك البيت ومن كل من يسكن فيه ومن الأغراب لقد كانت تحكي لنا حكايات مرعبة ونحن صغار حتى لا نذهب هناك......صخر يقول أنها خرافات ولكن ربما هي تصدقها ولذلك تخشاكي..
ظهر التصميم في عين مهرة: يجب أن أذهب غدا للبيت لإحضار العقد..
وسط الصحراء وبعيداً عن العيون متخفية بالنخيل حولها كانت تلك العشة الصغيرة تقبع هناك في الظلام و الصمت ....نور ضئيل يتسلل منها ويضيء مساحة صغيرة حولها ....
شبح متلفح بالسواد يقترب منها بخطوات حذرة وهو يتلفت عن يمينه ويساره .....فتح الباب سريعاً وهو يغلقه خلفه في سرعة بعد أن دخل.....
صوت حسان يأتي من الداخل : أنا قادم.....
كان المكان صامتاً هادئاً يخلو من البشر وتلك النرجيلة بالقرب من الكراسي المتراصة على بعضها البعض ينبعث منها دخان خفيف يعبق به الجو ويُشم فيه رائحة تسري بالخدر في الأعصاب....
ظهر حسان وهو يعدل من ملابسه وما إن رأى القادم حتى غابت الحماسة عن ملامحه:
- أنتِ!!!!
رفعت" قمر" العبائة السوداء عنها وظهر ثوبها الزهري القصير ووجهها الذي إمتلأ بالألوان ويخفي خلفه ملامح ثلاثين عاماً من العمر وقد تبعثرت خصلات شعرها عليه......
ابتسمت وهي تنظر للمكان الخالي بسخرية:
- أين الناس ؟
جلس على أحد الكراسي ومد يده بمبسم النرجيلة في فمه :
- اليوم إجازة.....
نظرت له بتعجب ،أقتربت منه والنظرة الساخرة تملأوجهها وجسدهايميل مع كلماتها يميناً ويساراً :
- هل اليوم هو الجمعة يا سيدنا أم أنه الأحد يا خواجة ......
نظر لها بطرف عينه وبصق ثم أكمل سحب الدخان من نرجيلته دون أن يرد عليها.
إستفزها تجاهله لها :
- ما الحكاية؟ .....هل هناك شغل اليوم أم لا.....
- لا....
- ولماذا لم تتكرم جناب حضرتك وتخبرني ......
- لم أقرر ذلك إلا اليوم ومن ساعات قليلة فقط....
- لماذا....
- أنا حر....
- وأنا لست الجارية الخصوصية وأنت تعلم جيداً كم أعاني كل يوم حتى أصل لهذا المكان....
- لم أغصبك على شيء ،أنت من طلبت العمل....
ترك النرجيلة ووقف في مواجهتها ونظراته النارية تلفح وجهها:
- اليوم بالذات لا أرغب في سماع كلامك الممل .......أريد ذهني خالياً تماماً لأفكر.....إذا رغبت البقاء فكوني كالهواء لا أشعر بك وإلا فلتذهبي كما جئت ولا تعودين إلا إذا طلبتك.......
تنظر له في غضب ، أسرعت نحو الباب وخطفت العباءة وفتحته مسرعة بالإنصراف......
ظل وحيداً .......ينظر للباب المفتوح والطريق المظلم أمامه يفتش بعينه عن أي آثار لها في الظلام.....
ذهبت كما أراد .....جلس على الأرض خارج العشة مستنداً بظهره لها... صورة مهرة تتداخل مع خيالاته.... قهقه ضاحكاً وهو يتخيل مهرة في ملابس قمر ووجهها الملون: بدلاً من أن تلقي بالألوان على رسوماتك ألقيها على وجهك يا مهرتي الصغيرة...
ترى من أين لك بذلك العقد الجميل؟........
لست في منزلك الخشبي الآن......أستطيع بكل سهولة الذهاب والحصول على ما أريد ، ولكن هذا يجعل الأمر سهلاً جداً ......كنت أتمنى وجودك هناك حتى أستطيع تعليمك درساً لا تنسيه......
فكر قليلاً : ربما أستطيع أن أعلمك هذا الدرس في وقت آخر........
ضحك وهو يهم بالوقوف........أغلق باب العشة وسار مترنماً بأناشيد الصحراء ......ومن خلفه كان شبحاً يرقبه...
-------------------
كانت تسير في خطوات بطيئة مرتكزة على عصاها الخشبية الغليظة....الجدة فاطمة كانت تتجه حيث إعتاد الشيخ صابر زوجها و زعيم القبيلة أن يجلس في هذا الوقت... كان الليل قد إنتصف وكانت النار المشتعلة في الحطب تضيء الخيمة والجد جالس في منتصفها يدخن نرجيلته ..
- تلك الفتاة...مهرة...هل رأيتها
- من بعيد مع عالية
- أظن أنها هي...تشبهها لحد كبير...
صمت الشيخ وحسيس النار يمليء السكون مع أصوات الرجال الجالسين حولها يتندرون ...
- هل تظن ذلك أنت أيضاً ؟
يظل على صمته ..ينفس دخان نرجيلته في هدوء
- لماذا الصمت...لو أنها هي فيجب أن نتحدث..
نظر لها وفي عينه غضب عظيم...
- لا يوجد ما نتحدث عنه يا فاطمة..
- ولكنها قد تكون ...
- فاطمة...ماذا حدث لك ...دائماً كنت تضيقين ذرعاً بالغرباء وتقصين على الأطفال ما يخيفهم وتقولين دائماً أنهم سبب كل بلاء...إنها غريبة وستذهب كما جاءت وينتهي كل شيء..
- لو أنها هي فلن تكون غريبة...
- أصمتي يا فاطمة...
Posted by شيرين رضا at ١٠:٥٤ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
تابع(البيت الخشبي)
(14)
كانت تقف في مريلة المطبخ تجهزطعام العشاء بعد أن قضيا اليوم كله في التجهيز والإعداد لتلك الندوة...كان يراقبها وتلك الذكريات الطفلة مازالت تلاحقه ...
- كنت تحب مساعدتي في تقشير البطاطس...
نظرت نحوه وعيناها تبتسم ...مدت يدها بطبق يحوي بعض الثمرات وسكين..
- هل تحب أن تجرب؟
إلتقط الثمرات ...كان ينزع القشرة وكثير من الذكريات الضاحكة تتواتر كالخيال ...صدرت عنه ضحكة مفاجأة ..
نظرت نحوه في دهشة وتعجب ..كتم الضحكة في أعماقه وأكمل تقشير الثمرات...ولكن مرة أخرى تتجمع تلك الصور القديمة فتدغدغ قلبه ولا تتركه إلا وهو واقع في غيبوبة من الضحك لا يتوقف...
تقترب منه وهي تضحك دون أن تعرف سبباً لتلك الحالة التي إنتابته..كأن تلك الحالة إنتقلت لها عبر رادارها الخاص فعاشتها دون أن تفهمها...
- ماذا بك...هل تقشير البطاطس يضحك لهذه الدرجة؟
من بين ضحكاته لم يستطع أن يشرح موقفه في كلمات واضحة ...لم يجد إلا كلمة واحدة قد تحل الغموض أخرجها في صعوبة من بين ضحكاته...
- شوربة البطاطس..
ثوانٍ وانطلقت ضحكاتها بعد أن إستجمعت تفاريق الذاكرة موقع تلك الكلمة من الماضي...
في جمل يبترها الضحك إسترجعا معاً تلك الحادثة القديمة ... الذكريات تسترسل يشدها الحديث وتشد كلاً منهما نحو الآخر في عمق...تعجب من نفسه...حاول أن يبحث عن ذلك الحاجز القديم الذي كان يقف بينهما...شبحه يرقد في ركن معزول في دهاليز صدره ..يرقد في سلام....لا يرغب في إثارته...هو يحتاج لتلك اللحظات ...لذلك الإحساس المليء بالسعادة والدفء وعبق الأيام الطفلة....
أما هي فكانت تشعر أن العمر قد عاد بها القهقري وأن السعادة لو توصف لكانت تلك اللحظات التي تجمعها الآن بإبن عمرها العزيز...
فقط كان ينقصها شيء واحد...أن تضمه لصدرها...إشتاقت لرأسه الصغيرة تُدفن في صدرها ....إشتاقت لهدهدته وتدليله ...إشتاقت لدور الأم ...وكيف كان لها أن تصير أماً بدون إبن...والأن هاهو أمامها ،معها...فلتستمتع بأمومتها..
لتصبح أما ًولو لبعض الوقت........
- هذا هو حلمي الأثير...
خرجت منها الكلمات السارحة في لحظة شرود وهي تعد المائدة...سمع الكلمات ...
- ما هو؟
تنبهت لنفسها...
- ماذا؟!
- حلمك الأثير...
صمتت تستجمع الواقع من الشرود....إبتسمت ومرت بيدها تلمس وجهه ...
- أنت...أنت حلمي ...حلم الأم...
------------------------
- هذا هو حلمي الخاص...أن أعرف من كانت أمي ...
كانت تسير مع عالية خلف أغنامها نحو المرعى في صباح اليوم التالي....عندما قابلا صخراً ...
- كيف حال الراعية الجديدة..
ضحكت مهرة في مرح وهي تحمل العنزة البيضاء الصغيرة...
- هل قررت البقاء معنا ؟
- هل يضايقك وجودي؟
- على العكس...هذا سيكون أفضل فالبقاء في الصحراء وحيداً ليس دائماً آمناً ....بقاءك معنا سيكون أفضل لك.
لمست مهرة في كلماته الجادة ونظراته الحازمة شيئاً من الإهتمام دائماً ما كان يداخلها كلما كان يتحدث إليها ..هذا الشيء الذي جعلها تشعر منذ اللحظة الأولى بتلك الراحة تسري في أعصابها وذلك الأمن يحتلها كأنها لم تبتعد عن بيتها ..لم تكن تدري سبباً منطقياً لكل هذا ...كانت تخشى أن تتوهم أشياءاً لها علاقة برغبتها القوية في العثور على عائلة تضمها...
إنطلق مبتعداً فوق فرسه بعد أن أوصى عالية بأن لاتتأخر في المرعى حتى الغروب...
- هل هو دائماً هكذا؟
- ماذا تقصدين يا مهرة؟
- على الرغم من سنه الصغير إلا أنه يشعرني كأنه أب لكل شخص هنا حتى الشيوخ...يمنح الكل إهتمامه ويخشى على الجميع ....
تطلعت عالية بنظرها بعد أن رفعت النقاب مطمئنة أن لا أحد سيقطع عليهما هذه الخلوة في المرعى...
- هذا هو صخر ...خلف حزمه وجديته يوجد قلب عطوف رقيق يمتلئ بالحب للجميع ويرعى الكل ...هو قوي في غير قسوة وحنون في غير ضعف ...
نظرت لها مهرة مبتسمة...طافت صورة حبيبة في خيالها لوجه رقيق حزين كان يضحك لها ويضحكها ....
جلستا على الصخور ترقبان الأغنام...
- لقد حدثتني عن حياتك كلها ولم تحدثيني عنه.
- تقصدين أحمد..
- نعم.
- هذا هو الشيء الوحيد الذي لا أستطيع الحديث عنه.
- لماذا؟
- هو جزء من الروح تعبر عن نفسها بلا كلمات ...
رن هاتفها.......كان أحمد....
- تحدد ميعاد الندوة بعد غد.
- بهذه السرعة؟
- بالتأكيد.....ساراك، اليس كذلك؟
- لقد وعدتك وسأفي بوعدي.
- وأنا أيضاً سأفي بوعدي....عندما تأتي سأعرفك بأمي....
- هل حدثتها عني..
- ليس بعد ولكني سأفعل بالتأكيد....كيف الأحوال عندك
- عندي إحساس أني أقترب ...سأريهم العقد، ربما..من يدري..
- تذكري مهما حدث فأنا معك..
- أعرف.....وأنا سعيدة من أجلك....أقصد بخصوص أمك..
- وأنا أحبك....أراك بعد غد...
-----------------------
- اسمها مهرة....
كانت تجلس بجواره تستمع ...
- اسمها جميل..
صمت ناظراً إليها...
- هل أستطيع أن أراها يوماً ؟
ضحك ...
- هي أيضاً تريد أن تراك...
سرح ببصره ناظراً للفراغ...
-ستعود يوم الندوة كما وعدتني...
- أين هي؟
- هذه حكاية طويلة.....
- كلي آذان صاغية...
هم بالقيام مبتسماً ..
- ربما مرة أخرى...يجب أن أذهب الآن...
- هكذا سريعاً ...ظننتك ستبقى معي لبعض الوقت...
-هناك الكثير من الأمور بخصوص عملي تحتاج الترتيب...سأكون هنا غداً مساءاً ...سأبيت معك تلك الليلة...
- حقاً ...
- بالتأكيد..
كانت نظرات السعادة والحنان تحتل ملامحها...ذلك الحلم الجميل في طريقه للتحقق من جديد على أرض الواقع...
سيرحل....ولكنه سيعود... الآن هناك أمل..
-سأنتظرك...
---------------------
- سأدخل لأحضر العقد..أنتظريني هنا..
إنتظرتها عالية في الخارج...
لم يمضي وقت طويل حتى ظهرت مهرة على باب البيت تصرخ في جزع...
- عالية...
أسرعت عالية نحوها...دخلت المنزل...كانت مهرة في حالة من الجزع والهياج الشديدين تبعثر كل شيء
- ماذا حدث...
- لا أجده...مستحيل لقد كان هنا...أين ذهب... إنه الشيء الوحيد الذي كنت أستطيع الوصول به لأمي...كنت أريد أن أحضره للقبيلة ربما تعرف عليه أحد شيوخها....ربما تعرفت عليه جدتك ..ماذا أفعل الآن...ماذا أفعل...
عندما يأست من العثور عليه أصابها اليأس ...سقطت وسط اللوحات المبعثرة وإنهارت باكية وجسدها يهتز في عنف...
أسرعت عالية إليها وضمتها في صدرها تحاول تهدئتها وعقلها يعمل ...
- هل رآه أحد معك...
- لا...لم أريه لأحد ..
- هل دخل حسان إلى المنزل في المرات القليلة التي زارك فيها.
- نعم...أمس...
صمتت عالية وهي تمسح على شعرها في حنان وتمسح الدموع عن وجهها وعلامات التفكير على وجهها...
- سنعود للقبيلة وهناك سنخبر صخر بما حدث ...لا تقلقي سيجد العقد بإذن الله...
Posted by شيرين رضا at ١٠:٠٥ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
تابع(البيت الخشبي)
(12)
كانت عالية قد إنتهت تقريباً من جولتها في المرعى القريبة وعادت مرة أخرى للواحة عند الغروب تلتمس بعض طالبي اللبن قبل عودتها للقبيلة...كانت أفكارها سارحة في مهرة....منذ رأتها وهي تشغل عقلها....
- عالية..........
استيقظت من أفكارها وذكرياتها على صوته العميق ينادي عليها........كان يركب جواده الأشهب ويركض نحوها قادماً من عمق الصحراء........سارا نحو الواحة
-كيف حالها؟.
- من؟
- مهرة.
- بخير.... أود لو أفهمها ولكنها لا تعطيني فرصة.....أتمنى لو أعرف سرها ربما أساعدها.
يستمع لها في صمت.
تنظر بجانب عينها وهي تسأله في خبث:
هل حقاً لا تعرف عنها أكثر مما قلت؟ ألم تخبرك بشيء؟!!!
- لا.......
تثق به، تعلم أنه لن يكذب عليها وإن أخفى شيئاً فدائماً يكون لحكمة قوية.
وصلا الواحة.......ركضت أغنامها للمكان المعتاد بقرب بئر المياه الكبيرة. أنطلقت خلفهم وتركته واقفاً مع ذلك الخواجة الإيطالي القادم مع رفاقه لزيارة الواحة.
ظلت ترقبه من بعيد وهو يتحدث وعيناها تلمع خلف النقاب.
- كيف حالك يا عالية؟
كان حسان يحوم حولها من جديد كالذئب الجائع يحوم حول الأغنام...
لم ترد عليه...تجاهلت وجوده ليس فقط كرهاً له ولمطاردته لها ولكن لأن صخر هناك يقف قريباً منهما وهي لا ترغب في إيذاءه بحديثها مع هذا الحسان ....هي تعلم جيداً موقف صخر منه منذ أصر على طرده خارج القبيلة بسبب أعماله وأفعاله... فهو لا يتورع عن الإشتراك في أي عمل دنيء أو مشبوه وكثيرا ما جاءت الشرطة في طلبه إشتباها في جرائم سرقة ونصب حدثت للسائحين المترددين على الواحة وإن لم يثبت عليه شيء حتى الآن...وكان صخر يقضي كل وقته في محاولة جذب السياح للمكان وتعريفهم به تاريخيا وجغرافيا وتعريفهم على عادات وتقاليد البشر الذي يقيمون في الواحة ويستضيفهم وينظم لهم رحلات للصيد والتجوال في الصحراء والتخييم في الأماكن الساحرة فيها وأستطاع بذلك أن يخلق فرصة لجذب المزيد منهم وتوفير مورد جديد للقبيلة يعين من فيها على الحياة ثم يأتي حسان بأفعاله مع السياح وبتلك السمعة التي يعطيها للقبيلة وللواحة ليهدد كل ما يفعله صخر ويهدد كل المجهود الذي يقوم به...لم يتردد صخرفي طلب طرده من القبيلة في جلسة عرفيه ضمت شيوخها وعلى رأسهم جده ووافقه الجميع على ذلك..ورغم هذا فقد سمح له صخر بين الحين والأخر بزيارة أمه ليس رأفة به ولكن بها فلم يعد لها أحد في الحياة غيره بعد دخول زوجها السجن منذ أعوام بتهمة الإتجار في الحشيش...
ولكن حسان يكره صخر لذلك...يكره كلمته المسموعة بين أفراد القبيلة ويكره إلتفافهم حوله ..يكره طرده له بل يكره سماحه له برؤية أمه....والأهم أنه يكره إستحواذه على مشاعر عالية وحرصها على تجنب الحديث معه أمام صخر ...
لمح حسان صخراً يرمقه من بعيد ...سخرية العالم إرتسمت على وجهه كأنه يحاول صفع صخر بها...
ثم لاحت له فكرة شيطانة كعادته ...مد يده سريعاً وشد نقاب عالية عن وجهها...لم تدري الراعية إلا ويدها مرفوعة بالعصا لتنزل بها على وجهه الأسود .... وقبل أن تنزل عالية عصاها لتسقط على وجهه الساخر أمسك "صخر" يدها.
نظرت له وعيناها يملؤها الغضب ولكنه أنزل يدها في هدوء ونظر لحسان الذي تملكته الرهبة وإن حاول أن يظهر عكس ذلك....أراد أن يثير صخراً وأن يقتل غرور الراعية فأقدم على فعلته الجبانة ...ولكنه رغم كل شيء جبان خسيس...تمنى لو يشتبك معه صخر فتواتيه الفرصة ليشفي غيظه منه بضربه وإهانته أمام أصدقاءه من الأجانب....ولكن صخراً فارساً له أخلاق الفارس ...إكتفى برمقه بكل حزم وصلابة..أن يقف أمامه شامخاً معتزاً بما هو عليه ....كان يفهم حسان جيداً ولم يكن من الغباء ليمنحه ما يريد....جاء صوته هادراً واثقاً :
- من يفعل فعلتك تقطع يده...لا تجعلني أهدر دمك يا حسان بأفعالك الخسيسة...ولا تستنفز حلمي عليك...
كان صخر مليئاً بالإحترام والهيبة وحسان يخشى الأحترام فهو يفتقر لهذه الميزة ... وقف أمام "صخر" ولم ينطق بحرف......فقط أنطلق مبتعداً والغضب يملكه....
سار حسان مبتعداً والغضب والغيظ يحتل نفسه.
- تحبينه يا عالية....طموحك كبير أيتها الراعية. هل تطمحين أن تكوني زوجة زعيم القبيلة في يوم ما......سنرى.
مط شفتيه وبصق أمامه وسار يضرب الرمال بقدمه في كل إتجاه.
سار والأفكار تلعب برأسه يبحث عن طريقة يصل بها لهدفه.......لعالية.....
-------------------------
كان الليل قد أقبل وقد أنهى صخر جولته في الواحة مع صديقه الإيطالي ورفاقه.
من بعيد لمح "عالية" تحلب إحدى العنزات لسيدة من سكان الواحة . كان يراقبها وعيناه تبتسم دون أن تراه....
منذ كانا صغاراً وهو يرى والده رفيق لوالدها...... وهكذا منذ الصغر كانا معاً كما كان أبويهما........"صخر" و"عالية" الصغيران......يلعبان معاً وينطلقان في الصحراء ويستمعان لحكايات الجدة فاطمة ويحلقان حول الأم "نعمة" والدة عالية وهي تطهي الطعام ويخطف صخر الخبز الساخن ويجري به مسرعاً وخلفه عالية تضحك وأمها تصرخ فيهما وتهددهما بأن تقول لشيخ القبيلة .......
يجلسان بعد التعب والجري على الصخرة عند البئر المهجور ويقتسم صخر معها الرغيف الساخن وتكون قد خبئت بعض ثمار الطماطم من جدتها فتعطيه منها ويتناولا طعامهما في هدوء لا يعكر صفوه إلا "حسان"...
تذكر "حسان" فتغيرت ملامح وجهه.
مازال يتابعها بنظره وهو يجهز فرسه للعودة .......سار نحوها ......
- هل ستعود للقبيلة مع رفاقك؟
- نعم...
- سألحق بك بعد أن أنتهي من حلب الماعز......
وقف أمامها متردداً فنظرت له بعينها المكحلة : هل تريد شيئاً .....
- سأنتظرك...لا ينبغي أن تعودي في هذا الظلام وحدك...
منحته إبتسامة من خلف نقابها لمعت لها عيناها كنجمة في الليل...
سألته: هل ستمر على مهرة؟
- نعم.....
- حاول أن تقنعها بالحضور قليلا للقبيلة لتسهر معنا ،منذ جاءت وهي تجلس وحيدة ولقد حاولت معها مرة فلم تتقبل كلامي . ربما تستطيع إقناعها، أعرف أنها تثق فيك.
وسط كلماتها التي توحي بإهتمامها بمهرة ، لمس تلك اللهجة التي تحمل الشعور بالغيرة تنطق بها كلماتها فابتسم إبتسامته الصافية الرائقة ومضى لرفاقه.......
عادت تحلب العنز وأفكارها طليقة تحلق في الصحراء........
----------
استيقظت مهرة على صوت دقات على الباب الخشبي ، كان النوم هو مهربها الوحيد من أفكارها . فتحت الباب وشاهدت "صخراً " يقف وخلفه أحد الفتيان حاملا قربة المياه....وسمعت صوت الماعز فخمنت وجود عالية وإن كان الظلام دامساً بالخارج فلم تتبينها...
ابتسمت في راحة وهي تدعوه للدخول.......أفرغ الفتى قربة الماء وخرج .
لمح صخر صورة"أحمد" على سريرها .......التقطها رأته من مكانها ينظر للصورة.
- إنه صديق قديم......
ابتسم دون تعليق وأعطاها الصورة فأعادتها لحقيبتها.......
- "عالية "تدعوك لزيارة القبيلة والسهر معنا الليلة.......عندنا ضيوف وسنقيم إحتفالاً لهم ونريدك معنا.
- حقاً......
- سأجعلك تمتطين الفرس وسنلبسك زينا وسيعجبك الثريد جداً ......
في عناد قالت: لست طفلة صغيرة لتغريني بهذه الأشياء.
ضحك وهو يقترب منها: حسنا ًأيتها الطفلة الكبيرة، هل تأتين معي........
ابتسمت : هذه فكرة عالية؟....
- نعم....
- وأنت؟ ما رأيك؟!!!!
- نفس رأيها....
- وأنا موافقة...... لقد فكرت في زيارة قبيلتكم منذ وقت طويل ....
إنطلقا في الظلام تنيره النجوم والقمر في التربيع الثالث....كانت تسير مع عالية وصخر وأمامهما الأغنام وخلفهما الرجال على خيولهم... تذكرت شيئاً ..
- من يكون حسان هذا ؟
نظر لها صخر ...
- لماذا تسألين عنه؟
- إنه يفاجأني بزياراته منذ قدومي ولا أشعر نحوه بالراحة........
- حسان هو بقعة الشر والسواد التي لا بد منها حتى يكتمل للحياة معناها ......
لم يكن والده صاحب مكانة مرموقة في القبيلة ، بعد وفاته تزوجت والدته من قريب لها
كان يملك عشة على أطراف الواحة يستقبل فيه الأجانب القادمين لزيارة الواحة ويوفر لهم إحتياجاتهم من الطعام والخمر وكان يخدمهم طوال فترة وجودهم مطيعاً فلا يدع لهم فرصة لإثبات ولاءه وجودة خدمته إلا إنتهزها . و كانوا يجزلون له العطاء ويلقون له بالعملات الخضراء التي يعشقها. ورغم كل هذه الثروة إلا أنها كانت غالباً ما تعود لأصحابها على مائدة القمار وكان يصرفها على مزاجه الملتوي . كان حسان يعمل معه منذ أن كان في العاشرة من عمره ولكنهما كانا دائما على خلاف..وتعلم "حسان" كل شيء بمرورالوقت......ثم بدأ ينافس (جعفر) زوج أمه..
ولكن لم يحظى بالكثير فالأجانب كانوا يميلون لجعفر عنه فقد كانت لجعفر طريقة تجذبهم وترضيهم..
وفجأة هاجمت الشرطة العشة التي كان يديرها "جعفر" في الواحة...وقبضوا عليه بتهمة الإتجار في الحشيش..
وسجن وانطلقت الشائعات أن "حسان" هو من أبلغ عنه ليستولي على عمله وينفرد به ولكن لا أحد يستطيع أن يؤكد ذلك.
- هل من الممكن أن يكون هو من أبلغ عن زوج أمه؟
ردت عالية :
- لا أحد يعلم الحقيقة.......
- وماذا فعل بعد دخول جعفر السجن؟
أكمل صخر :
- أستأنف نشاط العشة .. يستقبل فيها الأجانب ويدير أعمال القمار في الخفاء وزاد على ذلك باستخدامه "قمر" الراقصة لتساعده في أعماله...ثم بدأت أخبار تسري عن سرقاته ونصبه على الأجانب..
وبدأت سمعة القبيلة تتأثر بإنتماءه لها فقمت بمساندة رجال القبيلة على طرده خارجها وأعلنا تبرأنا من إنتمائه لنا..
بعد أن أنهى كلامه نظروا أمامهم فلاحت لهم منازل القبيلة التي تتراقص نيرانها من بعيد....
Posted by شيرين رضا at ٩:٣٤ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
تابع(البيت الخشبي)
(11)
خلف الكثبان الرملية الشمس تطل بنورها الشفاف، تتألق الذرات بضوءها الخافت .
وعلى التل الصغير يستقر البيت الخشبي محاطاً بنباتات الصبار.... نوافذه الخشبية مغلقة والكرسي الهزاز وحيداً في شرفته بين الصبارات المنتشرة تهزه النسمات الهادئة فجر هذا اليوم.
ومن بين إحدى الألواح المكسورة لأحد النوافذ تتسلل الشمس ، تمسح بعض الظلام المنتشر في الغرفة الواسعة .
وعندما يكتمل نمو القرص الذهبي تشتد قوة أشاعته وتغزو المكان ملقية ببعض حرارتها على وجه الفتاة النائمة في ذلك السرير الصغير.
تفتح عينها وتغطي بيدها وجهها هرباً من الحرارة والضوء .
صوت الماعز في الخارج يعلن النهاية الحتمية لأي محاولة للنوم مرة أخرى.
تنهض من الفراش وتسير متكاسلة بشعرها المهوش وتلك البيجامة التي إعتادت النوم فيها منذ قدومها لهذا المكان منذ أسبوع
تدخل المطبخ الصغير وتعود حاملة إناءاً صغيراً.
تفتح الباب الذي يصدر صريره المعتاد وتلقي بتحية الصباح على " عالية" الراعية وهي تحاول ضم خصلات شعرها خلف رأسها الصغير .
- صباح الخير يا "مهرة" .
ترد "عالية"الراعية البدوية تحية الصباح وهي تمد يدها لتتناول الإناء من الفتاة.
تلم ثوبها الأسود الفضفاض ذي النقوش والزخارف الملونة حولها وتجلس ساحبة إحدى العنزات لتقوم بحلبها .
وتسترسل في الحديث عن أخبار الواحة القريبة ،والقبيلة .......وعن صخر.
تتنهد"عالية" وتلقي بنظرة نحو "مهرة" من عينها الواسعة المكحلة بعناية ودقة خلف النقاب . ولكن الأخيرة كانت تجلس على الكرسي الهزاز وسط نباتات الصبار وحولها بعض العنزات تداعبها وتمسح على ظهورها الصغيرة .
تكمل "عالية" عملها وهي ما زالت تثرثر بالحديث:
الواحة مليئة بالزوار من الأمس.. "صخر" معهم وسيأتي بهم للقبيلة لنضيفهم كالعادة.
إنتهت من حلب العنزة وقامت تحمل الإناء لداخل البيت .
وقفت تتأمل اللوحات المنتشرة في كل مكان . رفعت نقابها فظهر وجهها الخمري وطابع الحسن المميز المدقوق بالوشم الأخضر وضعت اللبن على الطاولة الصغيرة وتقدمت من إحدى اللوحات ووقفت أمامها مشدودة بكل حواسها........
نادت عليها "مهرة "من الخارج فلم تسمعها.
دخلت "مهرة "وهي تحمل العنزة البيضاء الصغيرة ..........لم يكن منظر الراعية المشدودة للرسم بغريب فهي دائماً ما كانت تتعمد أن تُدخل الإناء بنفسها لتقف قليلاً أمام اللوحات تتأملها.
لاحظت" مهرة" هذا منذ أن بدأت "عالية" تداوم على زيارتها الصباحية لها ولم تعطها إهتماماً في البداية. ولكن مع الوقت بدأت تشعر أن هناك علاقة بين" عالية" واللوحات........ علاقة خاصة .
تركت العنزة الصغيرة تلهو في الأرجاء .
أقتربت من الراعية البدوية
- أراك تقفين كثيراً أمام اللوحات . هل تعجبك لهذه الدرجة ؟
تنتبه "عاليه" وتلتفت خلفها وقد أحست بالإحراج:
- أحب هذه الألوان.........منذ كنت صغيرة كان هذا المكان ساحة لهونا وكانت هذه الألوان هنا.....إنها شبح من أشباح الطفولة ........ أحس أن بها شيء.......
- ماذا بها؟!!!!!!.......... سألتها"مهرة".......
الحيرة تقبع في عين الراعية وتمتد لملامحها:
لست أدري .........هذه اللوحة مثلاً منذ كنت صغيرة وأنا أراها كرمال الصحراء في يوم العاصفة وأتخيل شبح أمرأة تحاول الوقوف في وجه الزوبعة .......
تقترب "مهرة" من اللوحة وتنظرللخطوط المتداخلة وتلك الألوان التي أمتزجت .......يأتيها صوت عالية وهي تنظر للوحة أخرى :
وهذه هنا كانت من أحب هذه الرسومات إلى قلبي فدائماً كنت أرى فيها ضحكة كبيرة وكلما شعرت بالحزن كنت أقف أمامها وأضحك........أما هذه فبها دموع كثيرة .......لوحة حزن ثقيل.......
تصمت عالية قليلاً وتلتفت مبتسمة لمهرة التي أعطتها ظهرها.......التردد يلمع في عينها ولكنها تسأل:
هل ترسمين مثل هذه اللوحات يا"مهرة"؟
لا يجيبها إلا الصمت.......والشرود....
تتلاشى الإبتسامة على وجه عالية ...تتأمل مهرة ...تتأمل ملامح الوجه الدقيقة الحزينة وذلك الشرود الذي رحل بها بعيداً ...تتأملها في صمت ، وفي صمت تحمل العنزة الصغيرة وتخرج دون أن تزيد كلمة واحدة ولا تلبث أن تكون قد إبتعدت عن البيت الخشبي يسبقها قطيعها الصغير متجهين نحو الواحة.
-----------------------
وضعت" مهرة" إناء اللبن على النار الصغيرة وملئت الكوز النحاسي ببعض المياه
مسحت وجهها وخصلات شعرها المتناثرة في غير ترتيب وعادت للغرفة تبحث عن مشطها الصغير.
أمام بقايا المرآة وقفت تمشط الخصلات وتنظر للوحات المنعكسة في المرآة.
تركيبة الألوان نفسها التي تتكرر في معظم اللوحات.......تركيبات وتداخلات تشبه الوجوه أو النخيل أو حتى الماعز الصغيرة ولكنها لا تفصح قط عن حقيقتها.
حاولت بكل جهدها ليالٍ طويلة أن تغزو هذا العالم من الألوان الذي صنعه والدها الراحل في هذا المكان.
حاولت أن تفهم . ولكن كل ما حصلت عليه من محاولاتها العديدة صداع طويل لا ينتهي إلا بإستسلامها للنوم هرباً من التفكير.
ثم فوجئت ب"عالية" الراعية تقتحم العالم اللوني . تقتحم الرموز والأشكال والخطوط وتقف أمامها ثم تنطق فجأة بشيء بسيط تعبر به عن إحساسها الذي تداخل تماماً مع هذه التكوينات بطريقة ما.
أقتربت من اللوحات ودققت النظر بها وكلام الراعية يدور في عقلها ......تراها بشكل مختلف،تراها بوضوح شديد وتبدأ في فهمها ......... كأن الراعية قد فكت لها الشفرة وأعطتها مفتاح الحل.
ربما يجب أن تشكرها ولكنها في ذات الوقت لا تستطيع أن تسامحها على خطأ لم تقصده. لا تستطيع أن تسامحها على قدرتها على التواصل مع هذا العالم بينما وقفت هي عاجزة لا تستطيع....ولكن ما ذنب عالية...هكذا قالت لنفسها...ماذنب عالية أنها تجهل الكثير عن أقرب الناس لكيانها...أحست أن هناك الكثير في عالم والدها خلف هذه اللوحات لم تكن تعلم عنه شيئاً ...عالم يرتبط بهذا المكان الذي قضى فيه سنوات عديدة قبل أن يلجئ للبحر ليحيا ما تبقى من عمره أمام أمواجه...
اقتلعها من أحاسيسها وأفكارها حسيس اللبن في الإناء يوشك أن يفور كالعادة فأسرعت تطفأ النار وتبعد الإناء ....
- سأستمر في البحث...يجب أن أعرف المزيد...
هكذا قررت وهي تتأمل تلك الخطوط التي تشكل البدوية في مواجهة رمال الصحراء العاصفة...
رنات هاتفها بجوارها ....كان أحمد الذي أعتاد الإطمئنان عليها كل صباح منذ قدومها لهذا المكان.
-كيف حال الصحراء؟
- تسلم عليك...تخبرك أنك أوحشتها كثيراً وتود لو تراك.
- هل تعرفني...لا أعتقد أني قابلت حضرتها من قبل.
- طبعاً تعرفك لقد حدثتها عنك...كيف حال صديقي الأزرق؟
- أمواجه هادئة..يبدو أنه يفتقد فتاته...يسأل متى ستعود؟
- لقد قررت أن أذهب لزيارتهم....
- تقصدين أهل القبيلة البدوية؟
- نعم...كنت أحتاج بعض الوقت مع نفسي قبل أن أخطو تلك الخطوة....أشعر بالخوف.
- مما؟
- من المجهول الذي ينتظرني هناك.
- لا تخافي مهما كان ذلك الذي ينتظرك، إن كان خيراً فهذا شيء جميل وإن كان شراً أتركيه خلفك وعودي وستجدينني هنا من أجلك.
- وأنت هل من جديد.....
- أمي تصر على إقناعي بعرض روايتي الجديدة في ندوة للمناقشة في العاصمة.
- وأنت ترفض ..
- أعرف أنها محاولة منها لكسر ذلك الحاجز وربما أفكر في منحها تلك الفرصة ولكني لا أريد مناقشة الرواية في غيابك.
- لا تقلق ، فقط أخبرني بميعاد المناقشة وسأكون هناك.
- حقاً ؟
- هذا وعد....فقط وافق على عرض والدتك ولا تتردد.
- سأبدأ الترتيبات من الآن وسأحاول أن تتم سريعاً حتى القاك سريعاً ..
- أنا أيضاً أريد أن أراك.....كيف حال الجميع عندك.....وكيف حال دادة خديجة.
- الجميع بخير...هناك مفاجأة بالأمس أتفق أمجد ونهاد على تحديد ميعاد الفرح ..سيكون بمجرد عودتك.
- كانت نهاد ترغب في الإنتظار.
- هي من أرادت التعجيل وأصرت عليه....
- مجنونة...أتمنى لهما السعادة من كل قلبي.
- سأذهب الآن ....كوني قوية..
- مع السلامة.....
------------------
كانت تقف في شرفة المنزل ترتدي بنطلونها الجينز الفضفاض وقميصها الكاروهات الأصفر ذي الأكمام المشمرة وتتدلى ضفيرتها خلفها....... تقف أمام لوحة تحاول أن تلقي على صفحتها البيضاء بعض من ألوانها الخاصة.......
- صباح الخير يا ست البنات.
فاجأها حسان بوجوده ولم تكن قد أحست به إلا وهو يقف بجوارها يتطلع لها بعينه النارية ففزعت وسقطت الفرشاة من يدها.
انحنى والتقط الفرشة ومد يده لها وهو يبتسم كثعلب ماكر.......التقطتها وهي تنظر له في حذر:
- الا تذكرينني.....أنا حسان.
كانت تعرفه جيداً . منذ قدمت وهو يفاجأها أوقاتاً بمثل هذه الزيارات غير المتوقعة. يتحدث وهي تستمع دون رد.
منذ أول لحظة وهي لا تشعر نحوه بالثقة ولم تحاول أن تفكر في السبب أو تجد صفة منطقية له وإن كان يتكشف لها في كل مرة ما يؤكد صدق إحساسها
كان "حسان" يتأمل فيما ترسمه وهي تتابعه ببصرها صامتة......
- ماذا تفعلين؟!!!!
- لا دخل لك.
يضحك ويقترب منها: حقاً لا دخل لي؟!!!
تقف في عناد أمامه وملامحها تحمل غضباً .
- ماذا تريد؟
- لا شيء ،فقط أرغب في الإطمئنان عليك. أنت فتاة صغيرة وتعيشين وحدك في هذا المكان المهجور.
ألم تسمعي عن الذئاب؟
- سمعت.
- ألا تخافين؟!!!!
تبتسم له في سخرية: هل تخاف أنت؟!!!
يدور حولها وهو يفكر...يريد أن يعرف سرها....يشعر أن "صخر" يعرف ويجب أن يعرف هو أيضاً .
حسان: قلت لي أن هذا البيت ملك لوالدك المرحوم ولكن لم تخبريني متى مات.
مهرة: منذ خمس سنوات.
حسان: وتعيشين طوال هذا الوقت مع أمك أليس كذلك؟
مهرة: أمي ماتت لحظة ولادتي.
حسان: إذن مع من تعيشين؟!
مهرة: لا دخل لك
حسان: هل عندك ماء؟
- لماذا؟
- عطشان....أريد أن أشرب.
- الماء بالداخل...
عادت للوحة وأعطته ظهرها . نظر لضفيرتها في سخرية وغيظ ودفع باب المنزل بقدمه ودخل.
كان المكان مضاءاً بنور الشمس التي تدخل من كل النوافذ المفتوحة.
كانت أول مرة يدخل هذا المنزل منذ قدمت مهرة . هو أيضاً كان يلعب مع الأطفال حول وداخل هذا المنزل ورغم كل القصص المخيفة التي كانت تُحكى إلا أنه استمر يأتي إليه كلما رغب في الإختلاء بنفسه
كانت عزلة المكان وإطلالته من فوق التل الصغير تناسبه.......يجلس في شرفته وينظر للسماء ويفكر، وكانت الأفكار تغزوه سريعاً وينطلق لتنفيذها دون إبطاء...أفكار شريرة تتناسب مع طبيعته التي لازمته منذ كان طفلاً صغيراً يلهو.
لقد جاءت مهرة لتقطع عليه سيل الأفكار والتأمل اليومي........ مط شفتيه وبصق .... كان أوقاتاً يبيت فيه على نفس السرير الصغير.......مر بيده على فراشه وهو يبتسم.....
دخل المطبخ وملئ الكوز النحاسي وهم بالشرب عندما لمح بطرف عينه شيء يلمع في أحد الأركان ....
كان عقداً من العقيق الأحمر النصف شفاف محاطاً بالفضة المشغولة ......لمعت عيناه كالبرق وهم أن يلمسه بيده عندما جاءه صوتها من الخلف:
- هل شربت؟
التفت لها وهو يجمع شتات نفسه التي فرقها رؤية العقد الثمين.....
- نعم...
- إذن اعتقد أنه يجب أن تنصرف.
- لماذا؟!!!!!
- لأن هذا بيتي وأريد أن أخلو فيه بنفسي......هل عندك مانع؟!!!!
ابتسم في مكر : لا........
التفت ليضع الكوزمكانه ولم يشرب منه رشفة واحدة فقد ضاع عطشه.....لقد إرتوى بمنظر العقد البراق....القى عليه نظرة خاطفة ثم غادر المطبخ وقبل أن يذهب اقترب من وجهها وهويقول مبتسماً:
إذا احتجت لأي شيء أنا موجود.....لا تترددي في الطلب فأنا تحت أمرك.....
لم تبتعد عنه ولكن وقفت صامدة صامتة تنظر له في إشمئزاز وإحتقار ولم يعر نظراتها إهتماماً....يمد يده ليمس ضفيرتها الطويلة وهو يكمل حديثه: .....أم أن صخر يقوم بكل شيء.؟
ابعدت يده في عنف لم يتوقعه فابتعد عنها وابتسم :
لا بأس ....سأذهب....ولكن لنا لقاء.....
مضى وهي تتابعه من خلف النافذة وكل مشاعرها تنطق بالضيق والقرف منه.....
القت بنفسها فوق السرير وأغمضت عينها......كأنها تسمع صوت والدها يناديها ....تفتح عينها .إنه الوهم يعاودها من جديد ......
نهضت من السرير ووقفت في النافذة المفتوحة تطالع الأفق الأصفر ......
-----------------------------
دخل حسان على أمه في غرفتها الصغيرة وهي تعجن الخبز الذي تبيعه في الواحة وما إن رأته حتى غضت بصرها كالعادة نافرة منه.
- هل عندك طعام؟
لم ترد عليه،نظر لها بضيق ونظر للعجين في غضب ومط شفتيه ثم بصق على الأرض وأنطلق يفتش على شيء يأكله. وجد بقايا خبز وقطعة من الجبن وبعض ثمار الطماطم فالتهمها جميعاً ثم فرد فرشته والقى بجسده عليها : لا أريد إزعاجاً قبل حلول الغروب فلدي عمل كثير بالليل.
رمقته بغضب نافر وحزن أرهقته الأيام حتى صار شاحباً فأعطاها ظهره وأغمض عينه لينام ولكن منظر العقد الثمين في بيت مهرة لم يفارق خياله،واحتلت رأسه فكرة واحدة : أن يصبح هذا العقد ملكه،ولكن كيف؟!!!!
كان هذا هو السؤال الذي ظل يبحث له عن جواب طوال الطريق ولم يجد.
- أنام الآن وفي الليل تأتي الأفكار عندما أعود للواحة......
Posted by شيرين رضا at ٩:١٩ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
تابع(البيت الخشبي)
(10)
في المرسم كان يجلس......الساعة تشير للواحدة ليلاً ......ينظر للوحات المنتشرة ......يتذكرها حين كان يراقبها وهي ترسم ........تقف في بنطلونها الجينز الفضفاض والقميص المشمر الأكمام تتدلى ضفيرتها الطويلة خلفها......يتذكر حديثهما......
- مازلت هنا يا ولدي؟
يتنبه على صوت دادة خديجة ......
- نعم يا دادة....
تقترب منه ونظراتها الحانية تشمله: أنا أيضاً أفتقدها كثيراً.......
يصمت وهوينظر للوحة التي لم تكملها- تحمل ملامح أمها كما حاولت تخيلها- مازالت تقف على عمودها الخشبي
- أنت من أصر أن تذهب بمفردها دوننا.......كنا نستطيع الذهاب معها......
- هذا الأمر ينبغي أن تقوم به بمفردها ولكن لو إحتاجت إلي في أي لحظة ستجدني معها.....
- ماذا تخشى يا بني؟
- أخشى أن لا تعود.
- لا تقل ذلك ستعود بإذن الله....
- أعلم هذا ولكن ما أقصده أن تلك التي عرفتها يوماً وأحببتها وأحبتني قد لا تعود.....ربما تعود شخصاً جديداً بعد أن تعرف نفسها وتكتشف إجابة الأسئلة التي تدور في رأسها......
- أنت من ساعدتها على ذلك......
- ولست نادماً على شيء ...ولكن....لم أكن أعلم أنني سأفتقدها لهذه الدرجة.....
- منذ أن فقدت والدها لم تتعلق بشخص كما تعلقت بك........لا تخشى شيئاً .......لقد ربيتها وأعرفها جيداً وأثق أنها ستعود......
نظر للوحة.....
ربتت دادة خديجة على ظهره بحنان : يجب أن تنام قليلاً .......
- هل أستطيع قضاء الليلة هنا؟؟؟
- لا بأس...
----------------
ألقى بجسده على فراشها الصغير.........
- ترى ماذا تفعلين الآن؟!!!!!
صوتها يتردد في أذنه:
- سأعود ولكن هل تعدني بشيء؟
- أي شيء....
- عندما أعود أريد أن أتعرف على والدتك .....تعدني؟
لم يرد عليها ولكنه يشعر منذ الأمس برغبة في زيارة والدته من جديد....فجأة ودون أن يفهم السبب شعر بسحابات الغضب تنحسر تدريجياً ....تذكر ما قالته أمه في الزيارة الأولى:
لن تفهم ما أعنيه إلا إذا عشت موقفاً مشابه.....ربما إذا احببت يوماً وتعارضت أهدافك في الحياة مع من تحب عندها ستكون في موقف إختيار ......ترى ماذا سيكون قرارك يا بني؟!!!!
لم يكن مقتنعاً تماماً برحلة مهرة أو جدواها...بل كان يخشى الفراق ...كان يشعر أنه يستطيع أن يمنحها ما تحتاج وما تبحث عنه عند أهل تتوهم وجودهم...ولكنه لم يشأ أن يفرض رأيه هذا عليها...أرادها أن تخوض التجربة ...وضع ثقته في الله أولاً ثم في حبهما الذي يملئ نفسيهما معاً....قرر هو أيضاً أن يخوض التجربة معها...تجربة الفراق ...الثقة فيما بينهما...حرية الأختيار التي لا تتعارض مع إرتباطهما الخاص....
- ستعود....
أراد أن يتجنب في علاقته معها ذلك الخطأ الذي وقع بين أبويه...بعد أن إتخذ قراره وبدأ تنفيذه فعلاً شعر بالغضب ينحسر ويحل محله نوع من التفهم...شعر برغبة في تكرار الزيارة للعاصمة...أن يرى أمه...
---------------------------
سمعت جرس الباب يرن ....كان الوقت مبكراً ...حدثها قلبها أنه هو قبل أن تفتح...أسرعت نحو الباب...
كان يقف ناظراً لوجهها وعينه تضطرب ...دعته للدخول ...كيانها كله يهتز من فرط الإنفعال....
- كيف حالك يا بني؟
- بخير...وأنت؟
- في أحسن حال منذ رأيتك...
عيناه تلتقط تلك الصورة التي تجمعه معها في حفل تخرجه من المدرسة الثانوية....لم يكن أباه موجوداً في هذا اليوم...
كان مسافراً لحضور مؤتمر مهم ....وكانت هي كالعادة من تتواجد كما تعود معها طوال حياته...لا تتخلف يوماً عن شيء يخصه...دائماً معه...
تلتقط نظراته إلى الصورة...كانت آخر صورة تجمعهما معاً ....
- كنت أعد الإفطار...تفطر معي؟
- لست جائعاً ...
- هل ستتركني آكل بمفردي؟؟
نظر لها ...عيناه فيهما حنين..أختفى الألم...تلقت النظرة بذلك الرادار السحري القابع في أعماق الأم حتى قبل أن يرسل النظرة نحوها ...بمجرد أن وقع نظرها عليه وهي تفتح الباب - ورغم إضطرابات العينين فلا تستقر لها نظرات واضحة تحمل معنى -،فقد تمكن ذلك الرادار داخلها من إلتقاط أول الإشارات...إشارات الحنين ...
- بدأت أشعر بالجوع...
خرجت الكلمات بعد فترة صمت قصيرة ...في سعادة غامرة، كمن تحققت له أعز أمانيه، أسرعت نحو المطبخ...
- حالاً سيكون الإفطار جاهزا ً...
مرت سنين طويلة منذ آخر مرة تذوق فيها طعامها...كانت له نكهة خاصة..نكهة مخلوطة بأنفاسها ..شيء يتسلل له مع طعامها ...شيء كالألفة التي تخلق الراحة ...
تركته يتأمل الكتب الكثيرة التي إكتظت بها المكتبة وأسرعت تنادي البواب وتعطه قائمة طويلة من الطعام ليشتريه لها...تشعر برغبة في الإحتفال...لم يتحدثا بعد...لم تعلم لماذا عاد...ولكنها تثق أنه سيبقى.
Posted by شيرين رضا at ٩:١٣ م 0 comments
Labels: رواية البيت الخشبي
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






